في عالم الاتِّصالات، ندركُ جميعًا أنَّ البطاقة «مسبقة الدَّفع» لا تمنحكَ حقَّ الكلام إلَّا بمقدار ما يُضخُّ فيها من رصيد، فإذا نفد الرَّصيدُ، صمتتِ البطاقةُ، وتحوَّلت إلى قطعة بلاستيك لا قيمةَ لها.. لكنَّ المأساة الحقيقيَّة تكمنُ حين تتحوَّل هذه الآليَّة التقنيَّة إلى «عقيدةٍ مهنيِّةٍ» لدى ثُلَّةٍ من الإعلاميِّين العرب، الذين يعرضُون حناجرَهُم في مزاداتِ «الدولار» العابرة للحدود.
هؤلاء ليسُوا مجرَّد ناعقِينَ، بلْ هم «كائناتٌ ضوئيَّةٌ» تتلوَّن كالحرباءِ بحسبِ شدَّة الإضاءة الماليَّة المسلطة عليهم.. تراهُم في الأزمات يرتدُون أقنعةَ الغيورِينَ على الأُمَّة، وفي حقائبهم «نوتة» موسيقيَّة كُتبت ألحانُها في غرف الاستخباراتِ الموجَّهة. هُم لا يملكُونَ ترف الانتماء؛ لأنَّ «الوطن» عندهم هو الجهة التي تمنحهُم أعلى سعر للصَّرف، و»المبدأ» لديهم هُو فاصلٌ إعلانيٌّ ينتهي بمجرَّد استلام الحِوَالة.
العجيبُ في هؤلاء المرتزقة، ليس في قدرتِهِم على الكذبِ، بل في قدراتِهم «الحنجريَّة» على تبديل النَّبرةِ. فذاتُ الحنجرةِ التي كانت تمتدحُ بالأمس، تتحوَّل اليومَ إلى «بوق» ينفثُ السُّمومَ تجاه المملكة، محاوِلةً النَّيل من ثقلها وقامتها. والمفارقةُ السَّاخرةُ هنا، أنَّهم في محاولاتِهم للنَّيل من الكبارِ، يشبهُون مَن يحاول إطفاء الشَّمس بنفخةِ كيرٍ، فلا هُم أطفأوهَا، ولا هُم سَلِمُوا من احتراق وجوههم بلهيبِ الحقيقة.
إنَّهم يعيشُون في حالة «أدلجة حسب العملة». فإذا كانت العملةُ خضراءً، كان خطابُهم «ثوريًّا» مزيَّفًا، وإذا تغيَّر اللونُ، استحالُوا «حمائمَ سلامٍ» مسمومةٍ. هؤلاء «الأفَّاكُون» يستغلُّونَ الأزمات، ليس لتقديم الحلول، بل لرفع قيمة «الفاتورة» عند المموِّل.
إنَّهم لا يبيعُون الكلمات، بل يبيعُون «صلاحيَّة» ضمائرِهم، في سوق النخاسة، وهِي صلاحيَّة تنتهي بانتهاءِ مدَّة الشَّحن.
في نهاية المطاف، سيبقَى هؤلاء مجرَّد «أصوات عابرة» في فضاء الإعلام، تسقطُ أسماؤهُم مع أوَّل سحابةِ وعيٍ شعبيٍّ. فالمواقفُ التاريخيَّةُ لا تُبنَى ببطاقات الشَّحن، والسِّيادةُ لا تُنَال بالتَّحليلات المأجورة. وسيبقى «النِّباحُ» مجرَّد ضجيجٍ خلفيٍّ في مسيرة الكبار، وسيظلُّ المرتزقةُ يبحثُونَ عن «جهاز شحن» جديدٍ، يمنحهم بضع دقائق إضافيَّة من التدليس، قبل أنْ يطبق عليهم صمتُ «خارج التغطية» الأخلاقيَّة للأبد.


