أكتبها كما هي، بلا تجميل.
أحدُ العاملين من الجنسيَّات الآسيويَّة قال لي بصراحة: «تكلفة الكوب علينا ما توصل ريالًا ونصف، أو أقل». الكوب عبارة عن: بُن، وماء، وكوب ورقي. انتهت الحكاية.
ومع ذلك نشتريه بعشرة، بخمسة عشر، بعشرين. زيادة قد تصل إلى 15 أو 20 ضِعفًا.
رقم صادم.. لكن الأكثر صدمةً، أننا نعرف ونُكمل الطريق.
السؤال ليس عن التاجر فقط. السؤال عنَّا نحن.
كيف أصبح الأمر عاديًا إلى هذا الحد؟.
كيف صِرنا ندفع هذا الفارق الضَّخم، وكأنَّنا نشتري شيئًا نادرًا؟.
القهوة هي نفسها القهوة. الشَّاي هو نفسه الشَّاي.
لكن الاسم تغيَّر، والمكان تغيَّر، والسعر قفز بلا منطق.
يقول بعضهم: الإيجارات مرتفعة، التجهيزات مُكلِّفة.
حسنًا.. هذا شأن المستثمر.
لكن لماذا نتحمَّل نحنُ قيمة الإيجار، والديكور، والموسيقى؟.
نحن لم نطلب شيئًا من الخيال. كل ما طلبناه هو كوب قهوة.
الأمر لم يتوقَّف عند السعر. الوجعُ الحقيقيُّ بدأ حين تغيَّرت العادات.
كان الصديقُ إذا جاء لزيارة البيت، يتحرَّك المنزلُ كله لاستقباله. القهوة تُصبُّ بحُبٍّ، والبيت ينتعشُ بقدومه.
كانت هناك بركة.. نعم، «بركة البيوت» لم تكن عبارةً تُقَال، بل كانت تُحَسُّ.
اليوم نقول: «خلِّينا نتقابل في كوفي».. أعتذر أحيانًا، ليس بخلًا، ولا تعقيدًا.. لكن لأنَّني أرفضُ أنْ تتحوَّل الصداقة إلى طاولة مستأجَرَة بالسَّاعة.
أرفضُ أنْ يصبح اللقاءُ في رصيفٍ مليءٍ بعوادم السيَّارات، أو داخل مكانٍ صاخبٍ؛ ليكون هو البديل عن مجلسٍ دافئٍ.
بركة البيوت اختفت مع الكافيهات. أصبح «البرستيج» أنْ تمسك كوبًا عليه شعار. أنْ تُصوِّر اللَّحظة. أنْ تدفع أكثر؛ لتقول إنَّك هناك.
حتَّى النِّساء انجرفنَ مع التَّيار. جَمْعِةُ البيت الهادئة تحوَّلت إلى طاولاتٍ متراصَّةٍ، وفواتيرَ تتكرَّر. ومجالس كثيرة أصبحت مهجورةً.. ساكنةً.. بلا روحٍ.
لسنا ضدَّ التجارة. اللهُ يرزقُ الجميعُ. لكنْ ليس بهذه الطريقة، التي تبتلعُ عقول النَّاس قبل جيوبهم.
لو صنعنا القهوة في البيت: (نظافة نعرفها.. جودة نختارها.. تكلفة لا تُذكَر.
والأهم.. دفءٌ لا يُشتَرَى).
المشكلةُ ليست في كوبِ قهوةٍ.. المشكلةُ أنَّنا عرفنا الحقيقة.. وتجاهلناهَا.
عرفنا أنَّه استغلالٌ.. ودفعنا. تذمَّرنَا.. ثمَّ عُدنا في اليوم التالي.
هل هو برستيجٌ؟.. أم سذاجةٌ جماعيَّةٌ؟..
العودة لقهوة البيت ليست بخلًا.. هو وعي.. هو رفضٌ هادئٌ لهذا الجشع غير المنطقيِّ. هو استعادة لبركة اختفت، حين ظنَّنا أنَّ الرقيَّ في الخارج.
كوبُ قهوةٍ لا يُكلِّف ريالًا.. فلا تجعلوه يسرقُ عاداتِكم بعشرِينَ.


