Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

مدير مراهق!

A A
يعرف الجميع أن مرحلة المراهقة من أصعب المراحل التي يمر بها الإنسان، لما يصاحبها عادة من تقلبات نفسية، واندفاع عاطفي، ورغبة ملحّة في إثبات الذات دون اكتمال أدوات الحكم والتقدير.. فالمراهق يملك طاقة عالية، لكنها غير منضبطة، ولديه شغف باتخاذ القرار دون خبرة كافية، مما يجعل كثيرًا من قراراته متسرعة، وربما بعيدة عن أبسط متطلبات العقل والمنطق.
في الإدارة لا يختلف الحال كثيرًا؛ فكما يتصرف (الفتى المراهق) بدوافع لحظية، فيغضب سريعًا، ويرى نفسه محور المشهد.. يظهر في الإدارة ما يمكن تسميته بـ (المدير المراهق)، وهو مسؤول (غير ناضج) امتلك سلطة القرار دون رصيد كاف من العلم والخبرة، فيدير المؤسسة بعاطفته لا بعقله، وبنزواته لا بمعايير واضحة!.
إن لم تكن قد صادفت أحداً من هؤلاء المراهقين -وارجو أن لا تصادفهم- فسأقول لك أن أبرز صفاتهم هي (اندفاع في القرار، ضعف في التقدير، شخصنة للعمل، شغف بالسيطرة الشكلية، وغيرة عمياء تشتعل بتميّز الآخرين).. ولا يشترط اكتمال هذه الرذائل عند مسؤول للحكم عليه بالمراهقة؛ بل يكفي اجتماع اثنتين أو ثلاث منها، لوضعه في قافلة المراهقين إداريًا.
من أين يأتي هؤلاء «المراهقون»؟.
سؤال مشروع.. واجابته أن معظمهم نتاج بيئات عمل رديئة، حيث يصنعهم «آباؤهم الروحيون» من المسؤولين السابقين، الذين يضعونهم كامتداد لهم، رغم إدراكهم لمحدودية كفاءتهم.. اتباعاً لثقافة تُكافئ الولاء أكثر من الجدارة، وأنظمة تقييم لا تكشف الأداء الحقيقي.. فيصعد البعض قبل أن ينضج، ويُهمَّش المجيدون لصالح من يجيد إرضاء المسؤول.. ومع الوقت، لا يعود المنصب مسؤولية تُحمَل، بل امتيازًا يُمنَح، فتُعاد إنتاج النسخة نفسها جيلاً بعد جيل.
وكما ينعكس طيش المراهق على أسرته، ينعكس هذا النموذج على المنظمة بأكملها؛ إذ تتحول قراراته المتقلبة إلى مصدر دائم للارتباك، وتصبح مزاجيته عبئًا نفسيًا على الفريق.. فيتراجع الاستقرار، وتُخنق المبادرات، ويُدار العمل بمنطق الحذر لا بمنطق الإبداع.. ومع الوقت، لا يتضرر الأداء والإنتاجية فقط، بل تمتد الآثار إلى حياة العاملين الشخصية، من قلق مستمر، وضغط متصاعد، وشعور دائم بعدم الأمان الوظيفي، حتى يغدو الذهاب للعمل همّاً يوميًا يُثقل النفس قبل المهام.. ولهذا، فإن التعامل مع هذه الشخصية المستفزة يجب أن يتم بوعي وحزم؛ لأن تركها دون ضبط قد يُحوّل بيئة العمل إلى محرقة.
والمفارقة، أن هذه الشخصيات التي تتباهى بالقوة، كثيرًا ما تقع أداة بيد «ثعالب الإدارة»؛ إذ يجدون في اندفاعها فرصة مثالية لتمرير مصالحهم، فيغذّون نزقها ويوجّهون قراراتها لخدمة أجنداتهم الخاصة.. فتُقصى الكفاءات تباعًا، ويُفتح المجال لأصحاب المصالح الضيقة، حتى لا يبقى في المشهد إلا من يجيد اللعب في الظل.. وعندها تتحول المنظمة إلى فريسة سهلة، تُدار وفق أهواء قلة، لا وفق مصلحة العمل.
الإدارة ليست سلطة تُوهب أو تُورّث، بل مسؤولية تحتاج إلى علم ووعيٍ، وحكمة، والمنظمات التي لا تحكمها معايير واضحة لاختيار القيادات، ستجد نفسها -عاجلًا أو آجلًا- تدفع ثمن قرارات لم تُصنع بخبرة وعلم، بل بمزاج (مدير مراهق).
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store