لم تكن جدّة في عيون صالح التركي الذي ترجّل من صهوة أمانتها مجرد شوارع تُعبَّد، أو أرصفة تُرصّ، بل كانت عروساً للبحر حيّة تنمو بالرؤية قبل القرار، وتزدهر حين تجد من يقرأ حاضرها بعين المستقبل.
وكشاهد على مرحلة إدارة التركي لأمانة جدّة من بدايتها لنهايتها، أستطيع القول أنّها كانت ذات توجّه واضح نحو إعادة تشكيل المشهد الحضري، حيث لم يكن الهدف تحسين التفاصيل فحسب، بل الارتقاء بصورة جدّة ككل، لتكون أكثر اتساقًا مع طموحاتها ومكانتها.
فكان عمله منصبّاً على تطوير البنية التحتية، وتعزيز جودة الحياة، وإعادة ترتيب الفضاءات العمرانية بما يمنح جدّة وجهًا أكثر تنظيمًا وانسجامًا.
كما بدا لي الرجل منحازاً للعمل المؤسسي، إيماناً منه بأنّ مدينة في حجم جدّة لا تُدار بالاجتهادات الفردية، بل بمنظومات متكاملة تقوم على الكفاءة والحوكمة، وفي هذا الإطار، شهدت الأمانة خطوات متقدمة في التحول الرقمي، وتبسيط الإجراءات، ورفع مستوى الخدمات، بما يسهم في تقليص المسافة بين المواطن والجهة الخدمية الأهم.
ومن اللافت في إدارته قربه من الناس، حيث كان هاتفه الخاص معروفاً لدى كثير من المواطنين، يتواصلون معه مباشرة، ويطرحون ملاحظاتهم، فيجدون منه تفاعلا واستجابة، وهو ما عكس نهجا إداريا يرى في صوت المواطن جزءاً من عملية التطوير، لا مجرد متلقٍ للخدمة.
ولم يكن مساره منفصلاً عن روح رؤية المملكة 2030، بل جاء متناغماً معها، ساعياً إلى جعل جدّة مدينة أكثر قابلية للحياة، وأكثر قدرة على استيعاب النمو والتطور، فكانت المشاريع تُدار بعقلية تتجاوز اللحظة، وتنظر إلى الأثر الممتد، حيث تتكامل التنمية مع احتياجات الإنسان، ويتقاطع الحاضر مع ملامح المستقبل.
وهنا أدرك شهرزاد الصباح، وسكتت عن الكلام المباح، وتغشاها النعاس فوق سريرها المصنوع من النحاس، أما شهريار فقال إنّ ما يُحسب للتركي ليس حجم إنجازاته فقط، بل اتجاهاتها الشاملة، وقدرته على إحداث الفارق، والعمل المنظم، والسعي إلى تطوير مدينة تليق بالتاريخ والحرمين الشريفين والطموح.


