قبل سنوات، شاهدت فيلماً وثائقياً من إنتاج (BBC) عن شطريّ القدس، بدأ الفيلم من الشطر الشرقي (البائس) بسؤال سكانه العرب عن رأيهم بجيرانهم اليهود في الجزء الغربي (المتنعم)، ولم يفاجئني يومها سيل الشكاوى من الاضطهاد والعنصرية والظلم والتهميش وعدم الإنسانية، فهذا أمر معلوم بالضرورة لنا كعرب.. لكن المفاجأة كانت (بالنسبة لي على الأقل) عندما انتقلت الكاميرا بالسؤال ذاته للشطر الغربي، فقد اختلف كل شيء تقريباً -المباني، الشوارع، الرفاهية، الأضواء، نمط الحياة- كل شيء كان مختلفاً إلا الإجابات، التي جاءت على نفس المنوال المتظلم تقريباً، حيث اتهم الإسرائيليون العرب بالظلم والإرهاب والعنصرية وانعدام الإنسانية!!.
من أهم حقائق علم النفس الاجتماعي أن أطراف أي حوار أو قضية، يفسرون نفس المواقف بطرق مختلفة وربما متناقضة، تعتمد على الخبرات السابقة لكل طرف؛ وثقافته؛ وتجاربه الشخصية، مما يبني قناعات وآراء؛ تنتج ألف وجه للحقيقة، وألف استنتاج لنفس المعطى!.. والكارثة حين يتزمت كل طرف؛ ويؤكد أن ما يراه هو الحق الأوحد، غير مدرك لحجم التفسيرات المشوشة التي صنعها عقله، وأن ثمة وجوهاً أخرى للحقيقة، ربما تكون أكثر صحة ودقة من استنتاجه.. وهذا ما يعرف عند علماء النفس بـ «الواقعية الساذجة».
والواقعية الساذجة في أبسط تعريفاتها هي «الإحساس الواثق للعقل بامتلاك الحقيقة المطلقة، والميل لتخطئة الطرف الآخر، بدلًا من وضع آرائنا ومعتقداتنا موضع الشك والتساؤل والتحليل».. وخطورة هذه الواقعية الواهمة أنها تقنع صاحبها بأنها جاءت بعد تحليل عميق وموضوعي ودون تحيز، لذا تجد صاحبها مقتنعاً بها ومدافعاً عنها بشراسة، رافضاً كل ما عداها، واصفاً مخالفيه بالتعنت أو بالجهل والشطط. (هل يفسر لك هذا سبب عقم بعض الجدالات المذهبية والإيديولوجية التي لا تفضي في الغالب إلى شيء؟)!.
ولأن العقل -كما يقولون- يحتله الأسبق لا الأصوب بالضرورة، فإن الإنسان قد يتحول أحيانًا إلى ضحية لتفسيراته الخاصة.. فما يراه حقيقة مطلقة قد لا يكون سوى نسخة من الحقيقة صنعها عقله؛ اعتمادًا على التعليم والإعلام والثقافة والبيئة التي نشأ فيها.. والأسوأ أن المشكلة اليوم لم تعد في البيئة المحيطة فقط.. بل في (الخوارزميات التقنية) أيضًا.. فوسائل التواصل الحديثة لم تعد تعرض للإنسان كل الآراء، بل أصبحت -ولأسباب تجارية- تقدم له ما يشبهه ويوافقه ويؤكد قناعاته فقط.. مما يجعله، يعيش داخل فقاعة فكرية مغلقة، يرى فيها آلاف الأشخاص ممن يرددون أفكاره نفسها، فيتوهم أن رأيه هو «الحقيقة العامة»، وأن مخالفيه قلة شاذة أو جاهلة أو حتى مدفوعة!.
المدهش أكثر أن الواقعية الساذجة ليست قصراً على الجهلة والبسطاء، فكثير من السياسيين والاقتصاديين وكبار المثقفين يستميتون أحيانا ً دفاعاً عن واقعيتهم الساذجة، بل إن بعض المنظمات الدولية الكبيرة كالأمم المتحدة ومجلس الأمن كثيراً ما تقع في الظلم والتعسف نتيجة اختلاف الرؤى والقيم والثقافات.
إن أخطر ما يصيب العقل ليس الجهل وحده، بل التحيز الأعمى لقناعات تشكلت في بيئات مغلقة، ثم تحولت مع الوقت إلى حقائق مقدسة لا تقبل المراجعة.. ولهذا يمكن قياس نضج أي مجتمع من خلال قدرته على مراجعة أفكاره، ومسلماته، واحترام حق الآخرين في رؤية مختلفة.. لا من حجم الضجيج الذي يصنعه دفاعًا عن آرائه.


