يأتي حجُّ هذا العام 2026، في ظلِّ توتراتٍ جيوسياسيَّة في منطقة الشرق الأوسط، على رأسها الحربُ المتوقِّفةُ بين إيران، وأمريكا وشريكتها إسرائيل، فمنذ انطلاق الهدنة، والعالم يترقَّب الأخبار بين كرٍّ وفرٍّ، والوصول إلى اتفاقيَّة، فيما تختلفُ لغة التَّصعيد والهدوء، وبين ضربةٍ أمريكيَّةٍ، وتهديداتٍ إيرانيَّةٍ لدول المنطقة الخليجيَّة والعربيَّة، وفي ظلِّ كلِّ هذا التوتر السياسيِّ والأمنيِّ في المنطقة، حيث الاستعدادات العسكريَّة العالية المستوى من قوات جيشنا السعوديِّ الباسل، فإنَّ استعداد الدولة -قيادةً وشعبًا- على «قدمٍ وساقٍ» لموسم الحجِّ، وخدمة حجَّاج بيت الله الحرام، وزوَّار المسجد النبويِّ الشَّريف، ورغم ما تعرَّضت له السعوديَّة من اعتداءاتٍ سافرةٍ من جارتها إيران، إلَّا أنَّها استقبلت ضيوفها من الحجَّاج في أمنٍ وأمانٍ، كما كان المعتمرُون -وخلال الحرب في شهر رمضان المبارك- يؤدُّون عُمرتهم، صائمِين في أمنٍ وأمانٍ، وقد توافدُوا عليها من كلِّ أنحاء العالم، وكان من أوائل هذه الوفود حجَّاجُ دولةِ إيران الذين استقبلتهم بالورودِ، والهدايَا، وجميع الحجَّاج دون استثناء.
إنَّ ما لا يراه العالمُ، هي حالة الاستنفار والاستعدادات الكبيرة على مدار العام في كافَّة الأجهزة الوطنيَّة للدولة السعوديَّة، كلٌّ في تخصِّصه لخدمة حجَّاج بيت الله الحرام، والتي تتكفَّل أرضُ «المشاعر المقدَّسة» في مكَّة المكرَّمة بأنْ تخبر العالم عنها، فالمشاهد ممَّا تنقله الكاميرات لـ»بياض الأرض» المُنتشر لأكثر من مليونٍ، ونصفِ مليونِ حاجٍّ في بقعة صغيرة جدًّا، لا تتجاوز 33 كيلومترًا مربعًا فقط، يتنقلُ فيها الحجَّاجُ من مشعر لآخرَ في انسيابيَّة وراحةٍ وبإدارةٍ دقيقةٍ للحشود منظَّمة لا يُقبل فيها الخطأ، وبإشرافٍ كاملٍ من القيادة، حيث يوجد خادم الحرمَين الشَّريفين، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وبمتابعة دقيقة من مستشار خادم الحرمين الشَّريفين أمير منطقة مكَّة المكرَّمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، وعلى مدار العام، حيث مشروعات كُبرى في المشاعر المقدَّسة تنهضُ لتطويرها؛ لينعم الحجَّاجُ بطمأنينة وراحة، متفرِّغِينَ للتعبُّد والدُّعاء، من كلِّ الأجناس واللُّغات والألوان، يوحِّدهم رداءٌ أبيضُ وقولُ «لبَّيك اللَّهُمَّ لبَّيك».
وَلَكُم تخيُّل هذه المساحة للِّحظة فقط، تجمع الحجَّاج ممَّن يزيد عددهم عن مليونٍ ونصف مليونٍ في بقعةٍ جغرافيَّةٍ صغيرةٍ، يتنقَّلُون فيها بين مشعر منى، الذي تبلغ مساحته 16.8 كلم2، وفي هذه المساحة يقضُون يوم التَّروية، وهي تحوي أيضًا منطقة الجمرَات؛ ثمَّ مزدلفة، التي تبلغ مساحتها 11.98 كلم2، وتكمن المعجزةُ في جبل عرفة، الذي قال فيه الرسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «الحجُّ عَرَفَة»، حيث يجتمع هذا العددُ الغفيرُ في سهلٍ يعلوه (جبل الرَّحمة) بمساحةٍ تُقدَّر تقريبًا بـ10.4 كيلومترات مربعة، والتي تتحوَّل فيه الأرضُ إلى بياضٍ نقيٍّ، تخشع له القلوبُ لحظة وقوف الحجَّاج بقلوبٍ وَجِلَةٍ، وأيدٍ مرتفعةٍ، بأعينٍ دامعةٍ إلى السَّماء.
هذا المجهود الجبار للدولة السعودية في إدارة وتنظيم تنقل حشود الحجاج، يتم في مساحة صغيرة، وخلال أيام معدودة، ووفق مناسك تعبدية محددة، يتمها الحجاج في أمن وطمأنينة، دون أنْ يشعروا لوهلة بأنَّ هناك توترات جيوسياسية تشهدها المنطقة، وهو جهد ليس سهلًا أبدًا، وبكلِّ تأكيدٍ يراه القاصي والدَّاني في بقعةٍ مقدَّسة يملؤها البياضُ والرَّحمةُ، ولا يستطيع أنْ ينكرها إلَّا عينُ حاسدٍ وعدوٌّ حاقدٌ؛ والمضحك أنَّ بعض هؤلاء الحاقدِينَ من دول تعجز فيه عن تنظيم جماهير ملعب كرة قدم!
أخيرًا، فإنَّ الدولة السعوديَّة -بتوفيق الله تعالى- اختصَّها بهذا العمل العظيم، ووفق قدراتها الوطنيَّة في إدارة الحشود على مستوى العالم، وليس ذلك إلَّا بما سخَّره الله تعالى لها من قيادةٍ رشيدةٍ لا تنامُ عينُها، تواصلُ الليلَ بالنهارِ خدمةً لضيوف الرَّحمن، ليس في الحجِّ فقط، بل وعلى مدار العام، خلال موسم العُمرة، ونسأل الله تعالى أنْ يباركَ الجهود الوطنيَّة، ويجزي القائمِين عليها الأجر العظيم، وأضحى مباركٌ، وحجٌّ مبرورٌ.
بين السلم والحرب.. «بياض» الأرض المقدسة في قلب السعوديين
تاريخ النشر: 23 مايو 2026 22:58 KSA
A A


