* كم مرة سمعت عبارة «استثمر في أبنائك»، و«الأبناء أنجح مشروع استثماري»؟.. لا شك أنك قد سمعت هذه العبارات وأشباهها كثيراً؛ فقد باتت تتردد من حولنا يوميًا؛ حتى استقرّت في وعينا الجمعي، كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، ولا تدعو حتى إلى التفكير في معناها وتأثيرها.
* لست ضد الاجتهاد في تربية الأبناء وتعليمهم، ولا الإنفاق على كل ما من شأنه تحسين تنشئتهم؛ فهذا من أجلّ وأعظم مهام الإنسان في حياته.. لكنني بالتأكيد ضد أن تتحول العلاقة مع الأبناء من رسالة وتربية ومسؤولية أخلاقية، إلى مجرد (عائد استثماري) طويل الأجل!.. فالبعض لم يعد يتعامل مع أبنائه بوصفهم شخصيات إنسانية مستقلة يجب بناؤها أخلاقياً ونفسياً كامتداد أسريّ واجتماعي لعمارة الأرض، بل تجده يغرس فيهم - من حيث يشعر أو لا يشعر - تصورًا ماديًا ضيقًا يوحي لهم بأن ما يبذله تجاههم اليوم هو استثمار ورصيد مؤجل ينتظر استرداده بصورة أو بأخرى في المستقبل!.. ولهذا أصبحنا نسمع عبارات من قبيل: «ضحيت بعمري من أجلكم»، و«كل ما قدمته لكم ضاع هباءً».. وكأن القضية لم تكن أكثر من عقدٍ تجاري قابل للربح والخسارة!.
* ليس خطأ أن ينتظر الآباء بر أبنائهم، ولا أن يحسن الأبناء إلى والديهم، فهذا من أنبل الأخلاق وأعظم الواجبات.. لكن الخطأ أن تتحول (التربية) بمفهومها الواسع إلى مجرد مشروع استثماري ينتظر العائد، وأن يُقاس نجاحها بحجم ما يعود مادياً على الوالدين، لا بحجم ما تصنعه في الأبناء من خلق ومسؤولية وأثر صالح.. فالنظرة المادية محدودة مهما اتسعت، فضلاً عن أنها لا تليق بالإنسان أصلاً، ولا تقف آثارها السلبية عند حدود الأسرة، بل قد تمتد إلى طريقة تفكير الأبناء في كل مناحي الحياة؛ إذ يتعلم بعضهم أن يقيس علاقاته وواجباته ومواقفه كلها بمنطق الاستثمار والمكسب المادي الضيق، فيصبح سؤاله الدائم: ماذا سأجني؟ لا ماذا يجب أن أقدم؟.
* ليس كل عطاء يجب أن ينتظر المقابل.. ولهذا فإن أعظم الآباء ليسوا الذين يذكّرون أبناءهم كل يوم بما قدموا لهم، بل من يجعلونهم يشعرون بدورهم لا بالمديونية، وبالانتماء لا بالالتزام القسري، وبأنهم امتداد طبيعي لبناءٍ أسري متماسك، تنتقل عبره القيم والمسؤولية الأخلاقية من جيل إلى جيل، ليصل أثرها إلى المجتمع والوطن بأكمله.


