قبل أكثر من 2000 عام، وقف اليونانيُّونَ على حافَّة الفشل، فالإمبراطوريَّة الفارسيَّة قد زحفت نحوهم بجيوش هائلة، وجعلتهم يعيشُونَ حالةً من الرُّعب بانتظار الفُرس الذين كانوا في أوج قوَّتهم!.
حينذاك ظهر قائدٌ عسكريٌّ مغمورٌ اسمه ثيميستوكليس، ولم يكن أقوى الرِّجال اليونانيِّين، كما لم يكن أغناهم، لكنَّه كان أبعدهم نظرًا، فرأى ما لم يرَه الآخرُون، وأدرك أنَّ النجاة من الغزو الفارسيِّ ليست في البكاء على ضعف الإمكانيَّات، بل في استثمارها بأفضل صورةٍ ممكنةٍ، فأعاد ترتيب الأوراق، ووحَّد الجهود، وصنع من الأدوات العسكريَّة المتاحة له قوَّةً قادرةً على مواجهة خصم يفوقها عددًا وعُدَّةً وعتادًا. وحين بدأت المعركة انتصر اليونانيُّون وخرجوا من المحنة إلى المجد، وصار اسم ثيميستوكليس خالدًا في ذاكرة التَّاريخ اليونانيِّ العريق.
وفي كرة القدم، لا تختلفُ الأمور كثيرًا، فالأُمم لا تتذكَّر المدرِّبين إلَّا إذا صنعوا البطولات، وجعلوا الجماهير تفتخرُ بما ترَى، واليوم يقفُ اليونانيُّ دونيس مدرِّب منتخبنا الحبيب أمام مهمَّة صعبة، فطموحاتُنا كبيرةٌ، وكأسُ العالم لا يرحمُ أحدًا، ولا يمنح المجد بالمجَّان.
والجمهورُ السعوديُّ لا يطلبُ المستحيلَ، لكنَّه يريد منتخبًا يقاتلُ، ويفرضُ شخصيَّته، ويجعل منافسيه يحسبُونَ له ألفَ حسابٍ، ومؤمنًا بقدرته على المنافسة، وليس فقط على شرف المشاركة.
ونجاحُ أيِّ مدرِّب لا يُقَاس بصراخهِ في الملعب وغرفة الملابس، كما كان يفعل مدرِّبنا السَّابق الفرنسي رينارد، بل بقدرتهِ على تحويل لاعبينا المتنافسِين ضدَّ بعضهم البعض في الدوري المحليِّ إلى فريق بروحٍ واحدةٍ، وهدفٍ واحدٍ، وهذه هي مهمَّة دونيس، وأتمنَّى أنْ يصنع من منتخبنا اسمًا يليقُ بنا وبمكانتنا العالميَّة، وإذا عُدنا من كأس العالم بصورة مشرِّفة، ونتائج باهرة، فسيكون هو قد حقَّق ما يُشجِّعنا على استعارة اسم ثيميستوكليس من سجلَّات التَّاريخ وإهدائه لدونيس!.
وبلا شكٍّ، هي هديةٌ يقدِّرها كلُّ يونانيٍّ عريق.


