Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

لماذا يجب علينا دعم المؤسسات غير الربحية؟

A A
حين يُذكر (الاقتصاد)، تتجه الأذهان عادة إلى الحكومات؛ والشركات الخاصة، بينما يغيب عن كثيرين وجود شريك ثالث لا يقل أهمية عنهما، وهو (القطاع غير الربحي) الذي تمثله الجمعيات والمؤسسات الأهلية والخيرية والوقفية.. فاقتصاديات الدول الغنية لا تقوم على ركيزتين فقط، بل على أعمدة ثلاثة متكاملة، قطاع حكومي يضع السياسات ويقدم الخدمات العامة، وقطاع خاص يقود الاستثمار ويوفر الوظائف، وقطاع غير ربحي يتحرك في المساحات التي لا يستطيع القطاعان الآخران الوصول إليها.
لم تعد المؤسسات غير الربحية في الدول المتقدمة مجرد جهات تقدم المساعدات المجانية، بل شريكاً تنموياً يساهم في معالجة المشكلات الاجتماعية والصحية والتعليمية، ويساعد الحكومات على الوصول للفئات الأكثر احتياجاً، ففي الولايات المتحدة الأميركية وحدها يوجد قرابة مليوني مؤسسة غير ربحية تساهم بأكثر من 1.5 تريليون دولار سنوياً في الاقتصاد الأمريكي، وتوفر نحو 12.8 مليون وظيفة، وهو عدد يفوق عدد العاملين في قطاع التصنيع الأمريكي نفسه.. وقد نستوعب هذه الأرقام إذا علمنا أنه في عام واحد فقط، تجاوز حجم التبرعات الخيرية في الولايات المتحدة 592 مليار دولار، وهو رقم يكشف حجم الثقة المجتمعية التي تتمتع بها المؤسسات غير الربحية ودورها في التنمية.
تكمن قوة مؤسسات القطاع غير الربحي في قربها من المجتمع وقدرتها على فهم احتياجاته؛ والاستجابة لها بسرعة ومرونة.. فبينما تعمل الجهات الحكومية ضمن منظومات واسعة، ويتحرك القطاع الخاص وفق اعتبارات السوق، تستطيع المؤسسات غير الربحية الوصول إلى قضايا مجتمعية قد لا تجد من يتبناها بالقدر الكافي، وتحويلها إلى مبادرات ومشاريع تحدث أثراً مباشراً في حياة الناس.. ولعل من اللافت أن رؤية السعودية2030 تنظر للقطاع غير الربحي بوصفه شريكاً تنموياً واقتصادياً هاماً، وحددت مستهدفات لرفع مساهمته في الناتج المحلي وتعزيز أثره المجتمعي، في تأكيد واضح على أهمية دوره في التنمية الوطنية.
من المهم هنا الإشارة إلى دور القطاع غير الربحي في أوقات الأزمات والطوارئ؛ إذ أثبتت التجارب أنه الأسرع وصولاً للمحتاجين والأقرب إلى الميدان، بما يجعله سنداً مهماً لجهود الدولة.. كما أن كثيراً من المؤسسات الخيرية لم تعد تعتمد على التبرعات الموسمية وحدها، بل اتجهت إلى بناء الأوقاف والمشاريع المستدامة التي تضمن استمرار مواردها وتعظيم أثرها، لتتحول من جهات تستهلك الدعم إلى مؤسسات داعمة، لا سيما في البيئات المحوكمة والمنضبطة التي تضمن الشفافية والمساءلة، كما هو الحال في بلادنا ولله الحمد.
دعم الجمعيات الخيرية والمؤسسات غير الربحية ليس تبرعاً عابراً، بل هو استثمار في استقرار المجتمع وقوته وتماسكه.. فكل جمعية ناجحة تخفف عبئاً عن جهة حكومية، وتسد حاجة اجتماعية، وتفتح باباً جديداً للمشاركة والمسؤولية المجتمعية.. ولهذا فإن تزايد عدد الجمعيات غير الربحية ليس مؤشراً على حاجة المجتمع، بل على حيوية هذا المجتمع ووعيه وقدرته على المشاركة في صناعة مستقبله.
أخيراً.. نحن ندعم القطاع غير الربحي لأنه يجمع بين فضيلتين؛ أجرٍ ومثوبة نرجوها من الله، وأثرٍ نافع ومستدام نرجوه لمجتمعنا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store