Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

قراقوش.. بين السخرية والتاريخ

A A
كنتُ -مثل كثيرِين- أظنُّ أنَّ قراقوش لم يكنْ سوى حاكمٍ غريبِ الأطوار، يصدرُ أحكامًا عجيبةً لا يقرُّها منطقٌ، ولا يقبلُها عقلٌ، حتَّى صار اسمُه مثلًا يُضرَب لكلِّ قرارٍ جائرٍ، أو عبثيٍّ. وما إن يغضب النَّاسُ من حكمٍ، أو إجراءٍ متعسفٍ حتَّى يطلقُوا العبارة الشَّهيرة: «هذا حُكم قراقوش».
حتَّى عثرتُ في مكتبتِي على كتابٍ منسيٍّ بين الكتب المُتخمة بها مكتبتِي، فيه مقالةٌ طويلةٌ عن قراقوش، كشفت من خلال سردها التاريخيِّ حقيقةَ قراقوش، وحقيقة المؤامرة التي تعرَّض لها من أحد كارهيه، فالرجلُ الذي تحوَّل في الوجدان الشعبيِّ إلى رمزٍ للظلمِ والسَّخفِ، لم يكن في الحقيقة كذلك على الإطلاق.
قراقوش هو بهاء الدين قراقوش الأسدي، أحد كبار رجال صلاح الدين الأيوبي، وأكثرهم قُربًا منه، وثقةً عنده. وتشيرُ المصادرُ التاريخيَّة إلى أنَّه كان قائدًا عسكريًّا وإداريًّا كفؤًا، أوكلت إليه مهمَّات جِسام، فما توانى في إنجازها. ويكفيه أنَّه أسهمَ في بناء قلعة الجبل، وتوسعة أسوار القاهرة، وإنشاء قناطر الجيزة، والإشراف على مشروعات عظيمة ارتبطت بتحصين البلاد وتجهيزها في مواجهة الأخطار. ولم يكن صلاح الدين ليعهد إلى رجلٍ ضعيفِ الرَّأي، أو مختلِّ التَّدبير بهذه المسؤوليَّات الثَّقيلة، وهو الذي كان يعرفُ الرِّجال بقدر أفعالهم لا بطنين الشَّائعات من حولهم.
فكيف انقلبت صورته -إذن- من قائدٍ موثوقٍ إلى شخصيَّة كاريكاتوريَّة تتناقلها الألسنةُ للسُّخرية؟، يبدُو أنَّ السَّبب الأبرز يعود إلى كتابٍ ساخرٍ حمل عنوان «الفاشوش في حكم قراقوش»، نُسب إلى الأسعد بن مماتي، وكان بينه وبين قراقوش خصومةٌ سياسيَّةٌ وإداريَّةٌ. وقد امتلأ هذا الكتاب بحكاياتٍ هزليَّةٍ ونوادرَ مبالغٍ فيها، صوَّرت قراقوش بوصفه حاكمًا أحمقَ، يصدرُ أحكامًا شاردةً عن العدل والعقل. ومع مرور الزَّمن، انتصرت الحكايةُ السَّاخرةُ على الحقيقة التاريخيَّة؛ لأنَّ النَّاس تحفظ الطُّرفة أسرع ممَّا تحفظ الوثيقة، وتردِّد النكتة أكثر ممَّا تقرأ كتبَ التَّاريخ.
وهنا تتجاوز المسألةُ سيرةَ رجلٍ من الماضي؛ لتصبح درسًا في طريقة تشكُّل الوعيِ الجمعيِّ. فكم من شخصيَّةٍ ظلمهَا النقلُ الشفهيُّ، وكم من عبارةٍ ردَّدنَاهَا من غير أنْ نسأل: هل تستندُ إلى حقيقةٍ أم إلى روايةٍ شاعت؛ لأنَّها مُسلِّيةُ فحسب؟.
إنَّ إنصاف قراقوش ليس غايته تمجيد رجل غابر، بل التنبيه إلى أنَّ التكرار لا يصنع الحقيقة، وأنَّ الشهرة قد تكون أحيانًا عقوبة لا مكافأة، خاصَّةً حين تُبنَى على التهكُّم لا على الإنصافِ.
وقد تناولت الكاتبةُ جيهان مأمون هذه المفارقةَ في كتاب همسات مصريَّة، حيث لفتت النَّظر إلى الفجوة بين قراقوش التَّاريخيِّ، بوصفه رجلَ دولةٍ، وصاحبَ إنجازاتٍ، وقراقوش الشعبيِّ الذي صنعته السُّخريةُ، وأثبتته الذاكرةُ الجَمعيَّة.
يبدُو أنَّ المشكلة لم تكنْ في الرَّجل نفسه، بقدر ما كانت في الصُّورة التي كُتبت عنه، ثمَّ أُعيد تدويرها حتَّى غلبت الأصل، وطمست الملامح الحقيقيَّة.
لعلَّ أكثرَ ما نتعلَّمه من حكاية قراقوش، أنَّ التاريخ لا يُقرَأ بالنكات وحدها، وأنَّ الأحكام الجاهزة قد تكون أشدَّ ظلمًا من أصحابها. فليس كلُّ ما يضحكنَا صحيحًا، وليس كلًّ ما يتكرَّر على الألسنة حقيقةً. وربَّما كان من الإنصاف، كلَّما هممنَا بترديد المثل الشَّهير، أنْ نتوقَّف قليلًا ونسأل: أَنَسخرُ من قراقوش، أم من قابليَّةِ النَّاس لتصديق كلِّ مَا يُروَى؟.
قراقوش ربما كان من أكثر الشخصيَّات التاريخيَّة سوءًا في الحظ الإعلاميِّ؛ رجلٌ بنَى قِلاعًا وأسوارًا، لكنَّ النَّاس لم يتركُوا له في الذَّاكرة إلَّا «نكتة»! ولو عاد اليوم، وسمع ما يُقَال عنه، لربَّما طالب بمحاكمةٍ عاجلةٍ.. لا ليثبت براءته، بل ليمنعَ تداول الأحكام الجاهزة بلا استئنافٍ!.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store