Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد حسن الخضير

لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب

A A
لم تعد الحروبُ الجاريةُ في القرن الحادي والعشرين تُخاض لحسم رقعةٍ جغرافيَّةٍ، أو تأمين حدودٍ بريَّةٍ فحسب، بل تحوَّلت -في جوهرها- إلى أدوات سياسيَّة لفرض نمط حُكمٍ عالميٍّ جديدٍ. وخلف غبار المعارك، وأصوات الصَّواريخ في أوكرانيا، والشَّرق الأوسط، والسودان، يدور صراعٌ سياسيٌّ شرسٌ، يصيغ ملامح العقود المقبلة، إنَّه صراعٌ بين مفهومَين: الأحاديَّة القطبيَّة بقيادة الغرب التي تدافع عن نظام قائم على القواعد الليبراليَّة، والتعدُّديَّة القطبيَّة التي تقودها قوى صاعدة، ترى في القوانين الحاليَّة مجرَّد غطاء إيديولوجي للمصالح الأمريكيَّة.
إنَّ تفكيك المشهد الرَّاهن يتطلَّب الغوص في ثلاثة أبعاد سياسيَّة كُبرى تحرِّك هذه الصِّراعات وتتحكَّم في وتيرتها:
أوَّلًا: أزمة الشرعيَّة الدوليَّة، وتحلُّل فيتو مجلس الأمن.. البُعد السياسي الأبرز اليوم هو التحلُّل الكامل لهيبة المؤسَّسات الدوليَّة التي تأسَّست بعد الحرب العالميَّة الثانية. لقد تحوَّل مجلسُ الأمن الدولي من أداة لحفظ السلم، إلى ساحة معطَّلة لتبادل حق النقض (الفيتو)، وتصفية الحسابات بين القوى العُظمَى.
والنتيجة السياسيَّة المباشرة لهذا الشَّلل هي غياب أيِّ غطاء قانونيٍّ رادعٍ. أصبحت الدُّول الكُبْرى، وحتَّى القوى الإقليميَّة الصَّاعدة، تتصرَّف بناءً على مفهوم الواقعيَّة السياسيَّة، حيث القوة العسكريَّة تصنع الحق، وحيث تُشَنُّ الحروبُ وتُغيَّرُ الحدودُ دون اكتراثٍ بالعقوبات الأُمميَّة؛ ممَّا يشرعنُ قانون الغاب السياسيِّ كبديلٍ للدبلوماسيَّة.
ثانيًا: صدام الأنظمة والشَّرخ الإيديولوجي
تُسوِّق الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مواقفهم السياسيَّة والعسكريَّة تجاه الأزمات الحاليَّة بصفتها معركةً وجوديَّةً لحماية العالم الحُر والديمقراطي في وجه ما يسمُّونَه محور الديكتاتوريات والسلطويَّة الذي يضم روسيا، والصِّين، وإيران، وكوريا الشماليَّة.
في المقابل، يرى المعسكرُ الآخرُ أنَّ الغرب يمارس نفاقًا سياسيًّا وازدواجيَّة معايير واضحة، مستدلِّين بالتباين الصَّارخ بين الموقف الغربيِّ الصَّارم من الحرب في أوكرانيا، والموقف المرن، أو الداعم لإسرائيل في حربها على غزَّة ولبنان. هذا الشَّرخ الإيديولوجيُّ أعاد إحياء تحالفات سياسيَّة وعسكريَّة صلبة وعابرة للقارَّات، جعلت من تزويد كوريا الشماليَّة وإيران لروسيا بالعتاد أمرًا واقعًا مقابل الحصول على تكنولوجيا نوويَّة وفضائيَّة؛ ممَّا يعقِّد أيَّ تسويةٍ سياسيَّة مستقبلًا.
ثالثًا: ارتهان الحروب بصناديق الاقتراع والحسابات الداخليَّة
البُعد السياسيُّ الأكثر خطورةً وتأثيرًا في إطالة أمد النِّزاعات الحاليَّة هو ارتباطها العضويُّ ببقاء القادة السياسيِّين في مناصبهم. فالحروب اليوم لا تنتهي؛ لأنَّ خيار إنهائها قد يعني سقوط حكومات، أو نهاية مسيرات سياسيَّة:
في إسرائيل: يرتبط استمرار الحرب، وتوسيع جبهاتها بالحسابات السياسيَّة الداخليَّة للحكومة الائتلافيَّة، حيث يعني وقف إطلاق النَّار فتح ملفَّات المحاسبة السياسيَّة والقانونيَّة الدَّاعمة للانهيار الحكوميِّ.
في المعسكر الغربيِّ: أصبحت الحروبُ الخارجيَّة مادةً أساسيَّةً في الاستقطاب الانتخابيِّ. فالصعودُ السياسيُّ المتنامي لتيارات اليمين القوميِّ في أوروبا وأمريكا يضغط باتِّجاه التخلِّي عن تمويل الحروب الإقليميَّة، والتَّركيز على الأزمات الاقتصاديَّة الداخليَّة؛ ممَّا يجعل المواقف السياسيَّة للدول العُظمَى متقلِّبةً ورهينةً لنتائج صناديق الاقتراع.
خاتمة: إدارة الإنهاك وترقُّب البديل
إنَّ السياسة الدوليَّة اليوم، لا تبحثُ عن حلول جذريَّة للحروب، بل تمارسُ ما يمكن تسميته بإدارة الإنهاك الإستراتيجيِّ. روسيا تراهنُ على التفكُّك السياسيِّ الداخليِّ للغرب، وتعب مجتمعاته، والغرب يراهنُ على استنزاف الاقتصاد الروسيِّ على المدى الطويل، بينما تسعى القوى الإقليميَّة في الشَّرق الأوسط وإفريقيا لفرض أمرٍ واقعٍ سياسيٍّ جديدٍ على الأرض قبل الجلوس إلى أيِّ طاولة مفاوضات حتميَّة.
خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في كلفة الدماء، بل في أن العالم بات يفتقر إلى الشرطي العالمي المستعد أو القادر على فرض السلام؛ ممَّا يترك البابَ مفتوحًا أمام نظام دوليٍّ جديدٍ يُكتَب بالحديدِ والنَّار، لا بالمعاهداتِ والمواثيقِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store