Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
م . طلال القشقري

في بيتي أسد!!

بضاعة مزجاة

A A
منذُ أيَّام، لاحظتُ قطَّةً شوارعيَّةً لا تكادُ تغادر الشوَّاية الحجريَّة في فناء بيتي الصَّغير، وكلَّما اقتربُ منها تُزمجرُ وتُكشِّرُ عن أنيابِها، وكأنَّها تستعدُّ للهجوم على كاتبكم، الذي يهابُ القططَ منذُ نعومة أظفاره!.
وبعد التقصِّي والتَّحقيق (حلوة التقصِّي والتَّحقيق دي؟) اكتشفتُ أنَّها كانت حاملًا، ووضعتْ صغارهَا في رفِّ الشوَّاية السفليِّ، وحوَّلته إلى مأوى لهم، وحصن متين!.
وقد تركتُهَا وشأنهَا، طمعًا في الأجرِ من ربِّ العالمِين، وحرمتُ نفسي من هواية الشِّواء، كما لم أكنْ أعلمُ أنَّني صرتُ أعيشُ بجوار أسدٍ، وليس قطَّةً، فقد رأيتُ قطًّا ذكرًا أكبرَ منها جسدًا، و(عُرِّي) بمعنى الكلمة، وهو يحاولُ التسلُّل إلى مأوى صغارها، فانقضَّت عليه بشراسةٍ مُذهلةٍ، وعضَّته، ونهشتْ جسدَه، حتَّى فرَّ المسكينُ وتسلَّق سورَ البيت، ومع ذلك لاحقتهُ وهو يتسلَّق، وأجهزت على ذيلهِ، بينما كان يموءُ من الألم والخوف، واختفى من الشَّارع المجاور لبيتي، ولم أعدْ أراه، واللهُ يعزُّ القوَّة.
وها هي القطَّة أمامي الآن، وأنا أكتبُ هذا المقال، قابعة أمام فتحة رفِّ الشوَّاية، ولا تتحرَّك، وكأنَّها حارسٌ لا ينام، وتنظرُ إليَّ ولسانُ حالها يقولُ: اقتربْ إنْ كُنتَ تمامًا، وسأفعلُ بكَ مثلما فعلتُ بالعُرِّي!.
والقطَّة علَّمتني درسًا بليغًا، فالأمومة ليست حنانًا فقط، بل شجاعة وإيثار، وهي غريزة أودعها اللهُ في قلب كلِّ أمِّ، سواء كانت إنسانةً، أو حيوانةً، وتجعلها تُواجه الخطرَ مهما كان؛ لتُبقي صغارها آمنِينَ.
وأنثى القطِّ من أشدِّ الحيوانات حرصًا على صغارها، عكس القطط الذكور، الذين هم أنذل الحيوانات في التخلِّي عن إناثهم بعد التَّزاوج، فتقوم الأنثى بإخفاء الصغار ورعايتهم، وتهاجم كلَّ مَن يقترب منهم، وهذا ما رأيته رأيَ العَينِ.
ويقولُون إنَّ الأسد هو ملكُ الغابة، لكنَّ هناك أسدًا حقيقيًّا في فناء بيتي بمُواءٍ مثل الزَّئير، وقد احتلَّت الفناء حول الشوَّاية، وأنشأت مستوطنةً فيها، كما تُنشئُ إسرائيلُ مستوطناتٍ في الأراضي الفلسطينيَّة المحتلَّة، ولا أدري ما العمل؟ هل تنوي القطَّةُ الاستيطانَ الدَّائم في فنائي؟ ورعاية صغارها حتى يكبُروا غصبًا عنِّي؟ وبفلوسِي؟ ليت للإنسان منظَّمات ترعى حقوقَه التي يسلبها الحيوانُ، كما للحيوان منظَّمات ترعى حقوقه التي يسلبها الإنسانُ؟ ويَا أمان الإنسان.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store