الـ(خبلُ) في ثقافتنا الشعبيَّة، هو ذلك الشخصُ، المبتلَى بقلَّةٍ في العقلِ، وغرابةٍ في الأطوار والسلوك، وهذا النَّوع من البشر كان يُعامل بكثيرٍ من الشَّفقة والمداراة، ويُوارَى عن عيون الضُّيوف والأغراب والمجالس العامَّة؛ صيانةً لسمعة أُسرته، وخوفًا من جلب فضيحة تسيرُ بها الركبانُ، وتُعيَّر بها القبيلة أبد الدَّهر.
كان هذا في زمنٍ مضى، أمَّا اليوم، وبعد أنْ تبدَّلت الأحوالُ، وأصبحت «الخبالة الإلكترونيَّة» إحدى أهم خوارزميَّات منصَّات التواصل الجالبة للمال والشهرة، وبعد تحوُّل معظم (الخبول) إلى مشاهير، ونجوم يتصدَّرون المجالس، ويملكُون من المتابعين والمريدِين ما لا يملكُ أصحابُ العقولِ والحكمةِ، فلم تعد الخبالة (عاهةً) تُخفى وتُستر، بل تحوَّلت -ويا للعجب- لإستراتيجيَّة استثماريَّة يتصنَّعها حتَّى بعض «العقلاء»، حيث يخلعُون وقارهم طوعًا، ويبيعُون السخافات طمعًا في تدفُّق سيل الإعلانات، وغرق حساباتهم البنكيَّة بفيضانات الدولارات!.
لقد أصبح «العقلُ» -والعجبُ لا ينقضِي- بضاعةً كاسدةً لا تجدُ مَن يشتريها، وبات الاتِّزانُ ركوداً لا يثيرُ شغف الجماهير اللاهثة وراء الإثارة.. فكان من الطبيعيِّ أنْ يتراجع حضور الرَّصانة؛ ممَّا ساهم في إرساء ثقافة يمكن تسميتها بـ(ثقافة الاستهبال النفعيِّ) تتَّخذ من إسقاط الوقار مبدأً، ومن الشُّهرة السَّريعة غايةً، ومن السخافة أسلوبًا وطريقةً.. ومن أهم طقوسها تقديم التنازلات الأخلاقيَّة؛ لضمان البقاء تحت الأضواء، فيتحيَّنُون الفرص لالتقاط أيِّ «موجة سخيفة»، ويتزاحمُونَ على صناعة المحتوى المبتذل بكثافةٍ تضمن بقاءهم في قائمة «المشاهدات»؛ لكي يستأثرُوا دون غيرهم بعقود الإعلانات.. وهذه أولى إشارات التلوث القيمي في الفضاء العام.
قد يقول قائلٌ إنَّ الحمق والتبسط السخيف قديمان قِدم المجتمعات البشريَّة، وإنَّ التاريخ لم يخلُ يومًا من «بهاليل» يضحك منهم العقلاء، ويمنحونهم الأعطيات لترويح النفوس.. وهذا صحيح، لكن الجديد والخطير في ظاهرة «الخبالة المصنَّعة» هو ازدواجيتها الفائقة، فهؤلاء المتصنِّعُون يملكون «ذكاءً نفعيًّا حادًّا»، وقدرة مذهلة على الفصل بين قناع الشاشة، وواقع الحياة. إنَّهم يستشعرُون بدقَّة ما يريده سوقُ الابتذال؛ فإذا فتحوا الكاميرا تحوََّلوا إلى كائناتٍ (تستهبل) وتهذي، وإذا ما انطفأ ذلك الضوء الأخضر، عادوا إلى واقعهم، وأداروا ثرواتهم بعقليَّة التجَّار الكبار.. إنَّهم وكأنَّهم يمارسون «تجارة قذرة» تبيع ماء الوجه بالتقسيط، ويتضاحكُون في خلواتهم على جمهور يظنُّهم مغفَّلِين!.
المرعب، أنَّ هذه الظاهرة بدأت تُعيد صياغة وعي الأجيال الجديدة، حتى غدا «الاستهبال الإلكتروني» في نظر الصغار هو الطريق الأقصر للثَّراء والشهرة؛ ممَّا خلق مأزقًا حقيقيًّا أمام التربويِّين وأصحاب الفكر الذين يجتهدُونَ في محاربة هذه المعادلة المقلوبة، التي أصبح فيها الاحتفاظ بالعقل سببًا في العزلة، وربما الفقر، بينما يعدُّ تصنُّع (الخبالة) تذكرةً مضمونةً لدخول نادي الأثرياء.. وهي بالفعل معضلة مجتمعيَّة عصيَّة على الفهم، أشكُّ في أنْ يجد لها حلًّا حتى أولئك (العباقرةُ) الذين يقودُون قطعان «الخبول الرقميِّين» من وراء حجابٍ!.


