كما أنَّ الرطوبة الخفيَّة قد تنخرُ أساسات البناء العتيق، فتتآكل القواعدُ ببطءٍ قبل أنْ تظهر الشروخ على الجدران، فإنَّ حركة التاريخ كثيرًا ما تسير على سننٍ مشابهةٍ في صعود الأمم وانكفائها، فالإمبراطوريَّات العُظمَى لا تفنى بالضرورة؛ لأنَّ أعداءها بلغُوا ذروة القوَّة، بل لأنَّها بلغت ذروة الفراغ الرُّوحي والأخلاقي من الداخل. إنَّه الموتُ الصَّامتُ الذي يتخفَّى وراء بريق القوَّة الزَّائف، وصخب الاحتفالات، ومظاهر التَّرف الاستهلاكي.
لو عدنا إلى قراءة التاريخ بعينٍ فاحصةٍ، لوجدنا أنَّ اللَّحظة التي يدوِّن فيها المؤرِّخُون نهاية دولة ما ليست هي البداية، بل النتيجة الحتميَّة لقرون من التحلُّل الداخلي؛ فالغزو العسكري الخارجي غالبًا لا يصنع الجثة، بل يأتي فقط ليدفنها.
تأمَّل مثلًا الدولة الساسانيَّة في أواخر عهدها، لم تكن تفتقر إلى الجيوش الجرَّارة ولا إلى الكنوز والممتلكات، لكنَّها سقطت بعد أنْ أنهكتها الحروب الطويلة المستنزفة، وغرقت في طبقيَّة مقيتة عطلت الإنتاج، وأرهقت العامَّة اقتصاديًّا؛ ممَّا أدَّى إلى فقدان الثقة تمامًا بين الشعب والنُّخبة الحاكمة، فصارت القوة عبئًا، وتلاشت عقيدة الدفاع عن الكيان في النفوس قبل أنْ تتصادم السيوف في الميدان.
والأمر ذاته ينسحب على تجربة الأندلس، حيث لم يكن التراجع وليد صدفة، أو ضعف عتاد، بل جرَّاء تفكُّك السُّلطة المركزيَّة، وصعود مغامرات ملوك الطوائف، والاحتراب الداخلي، والاستعانة بالخصوم ضد الأخوة، تزامنًا مع تصدُّعٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ جعل المبادئ الكُبرى تهون أمام المصالح السياسيَّة العابرة، فتمزَّق النسيجُ، وتبخَّرت الشرعيَّةُ.
وإذا ما نقلنا هذه المرآة التاريخيَّة إلى واقعنا المعاصر، نلمس السنن ذاتها تتكرَّر بصورٍ مختلفةٍ. تواجه كثير من القوى الكُبرى التي تملأ الدُّنيا اليوم ضجيجًا بتقدُّمها التقنيِّ والماليِّ والعسكريِّ أزمة معنى حقيقيَّة في جوهرها، فما قيمة أنْ تملك الدولة مفاتيح الاقتصاد العالميِّ، وأدوات الذكاء الاصطناعيِّ، في وقتٍ يعاني فيه إنسانها من تمزُّق الهويَّة، وتفكُّك الرَّوابط الأسريَّة، وعزلة خانقة تُحيل المجتمع إلى جزرٍ معزولةٍ تنقطع بينها جسور الثِّقة؟ تكديس السلاح، وأرقام النمو الاقتصادي لا يمكنهما سد الفجوة الأخلاقيَّة إذا ما تآكلت فكرة الإنسان، وقيم العدالة الاجتماعيَّة.
إنَّ أخطر ما يصيب الكيانات السياسية ليس الهزيمة العسكرية العابرة، فالجراح المادية تبرأ، والجيوش المهزومة يمكن إعادة بنائها، الخطر الحقيقي يكمن في هزيمة الضمير الجمعي.
يبدأ العدُّ التنازليُّ لأيِّ أُمَّةٍ فور فقدان مؤسَّساتِها قيمتَها المعنويَّة، كأن يتحوَّل القانون من مظلَّة لحماية الضعيف إلى أداة لخدمة النفوذ، أو يصير التعليم مجرَّد آلية لتلقين الحروف، دون بناء الوعي، فضلًا عن تقدم الانتهازية الفرديَّة على حساب المصلحة العامَّة؛ ليُصبح الصَّمت المُداهن يُسمَّى تعقُّلًا، والجهر بالحق مجازفة غير محسوبة.
إنَّ السقوط الفلسفيَّ للأمم يسبق دائمًا سقوطها الجغرافي، والظلم، مهما تزيَّن بمظاهر القوَّة والتفوُّق التكنولوجي، يحمل في أحشائه بذور فنائهِ؛ لأنَّ القوَّة العارية من العدل، هي قوَّة عمياء تقود صاحبها إلى الهاوية، وهو يظن أنَّه يعتلي القمَّة. إنَّ الأمم لا تسمع صوت انهيارها؛ لأنَّ التشققات تبدأ دائمًا تحت الأرض، بعيدًا عن ضجيج الاحتفالات والمنابر، وحين يظهر أوَّل صدع على الجدار الخارجي، يكون البناء في واقع الأمر قد انهار في جوهره منذ زمن.


