حقيقةً، تنهض المجتمعاتُ الإنسانيَّةُ السويَّةُ على قِيَم التَّعاون، والتَّكافل، والاحتفاء بنجاح الآخرِين؛ كونها الوقود الحقيقي لكلِّ نهضةٍ وتطوُّرٍ، إلَّا أنَّ هناك آفةً خطيرةً قد تتسلَّل إلى نسيج المجتمعات، أو بيئات العمل، فتحوِّلها من مناخات إنتاجيَّة وإيجابيَّة، إلى مستنقعات طاردة للكفاءات، ألا وهي بيئة الحَسَد والحِقْد، وهذه البيئة لا تقتصرُ خطورتُها على تدمير العلاقات الاجتماعيَّة فحسب، بل تمتدُّ لتكون معولَ هدمٍ يضرب الاستقرار النفسيَّ، والإنتاجيَّة الاقتصاديَّة، والابتكار الفردي، والمؤسسي.
بيئةُ الحسدِ ليست مجرَّد مشاعرَ عابرةٍ يشعرُ بها فردٌ تجاه آخرَ، بل هي منظومة متكاملة من السلوكيَّات السلبيَّة الممنهجة، التي تنشأ عندما يتحوَّل النَّجاح من مصدر إلهام إلى مصدر تهديد، وفي هذه البيئة، يُنظر إلى تميُّز الشَّخص، أو نَيله ترقية، أو حتَّى تمتعه بقبولٍ اجتماعيٍّ، على أنَّه انتقاصٌ من الآخرِين، ويتغذَّى الحقدُ في هذه الأجواء على الشُّعور بالعَجز، فبدلًا من أنْ يسعى الحاقدُ لتطوير أدواته، وتحسين مهاراتِهِ؛ للحاق بركب النَّاجحين، يوجِّه كامل طاقته الذهنيَّة والعمليَّة لتشويه هذا النَّجاح، أو محاولة عرقلته، أو تقزيم الإنجازات، وإبراز العثرات البسيطة وتضخيمها.
حين تأخذ بيئة الحسدِ والحقدِ مظاهرَ سلوكيَّة متعدِّدة، يمكن رصدها بوضوحٍ في الأوساط المهنيَّة، أو الاجتماعيَّة، تبدأ من النميمة، والاغتيال المعنوي، فتنتشر الشائعاتُ والأحاديثُ الجانبيَّة التي تستهدفُ ذممَ النَّاجحين وكفاءتهم، ومحاولة تفسير نجاحاتهم بناءً على المحسوبيَّةِ أو الحظِّ، وليس الجهد والكفاح، ثمَّ ثقافة المجموعات المغلقة (الشلَّليَّة)، والتي تُشكِّل تحالفات خفيَّة هدفها الأساس ليس الإنجاز، بل محاربة المتميِّزين وعزلهم؛ لضمان بقاء الأفراد الأقل كفاءة في دائرة الضوء والأمان المزيَّف، ثمَّ غياب الدعم والتقدير، وفي هذه البيئات، يغيب الثناءُ والتشجيعُ المتبادلُ، وتتحوَّل منصَّاتُ التكريم، أو عباراتُ الشُّكر إلى لحظاتٍ مشحونةٍ بالتوترِ والامتعاضِ المكتومِ، وتنتهي بالترصُّد وتصيُّد الأخطاء، فتصبح العينُ لا ترى إلَّا العيوبَ، وتتحوَّل الهفواتُ الطبيعيَّة غير المقصودة إلى خطايا كُبْرى، تُستغل لإسقاط الأفراد معنويًّا.
إنَّ العيش، أو العمل في مناخ مشحون بالغلِّ والحقد يترتب عليه نتائج كارثية، من أبرزها، استنزاف الطاقة الإبداعية، بدلًا من أن يركز المبدع أو الطموح على تقديم أفكار مبتكرة، يجد نفسه مستنزفًا في معارك جانبيَّة للدفاع عن نفسه، وصيانة إنجازاته من التشويه، وقتل الولاء والإنتاجيَّة، حيث يؤدِّي تفشِّي الحسدِ إلى تراجع الإنتاجيَّة بشكل حاد، فيشعر الموظَّف الكفء بأنَّ جهده غير مُقدَّر، وأنَّ تميُّزه سيجلب عليه المتاعب؛ ممَّا يدفعه إلى الانكفاء السلوكيِّ، وتقديم الحد الأدنى من العطاء، أو الهجرة والبحث عن بيئة صحيَّة تُقدِِّر قيمته، وأيضًا تفكِّك الروابط الإنسانيَّة، فتنتشر حالة من عدم الثقة، وسوء الظَّن بين الأفراد، ويحلُّ الحذرُ والتوجُّسُ محلَّ الأمان والتَّعاون؛ ممَّا يمزِّق الروابط الاجتماعيَّة، ويجعل المجتمع هشًّا من الداخل.
ولمواجهة هذا الوباء النفسيِّ والاجتماعيِّ، لا بُدَّ من تبنِّي إستراتيجيَّات حاسمة على مستوى القيادة، فتتحمَّل القيادة الدور الأكبر في تجفيف منابع الحَسدِ، وذلك من خلال إرساء منظومةٍ حوكمةٍ شفَّافةٍ ومعاييرَ تقييمٍ واضحةٍ وعادلةٍ تعتمد على الأرقام والإنجازات الحقيقيَّة، لا على الانطباعات الشخصيَّة، كما يجب على الإدارة محاربة الشَّائعات والنَّميمة بيدٍ من حديد، والحرص على غرس ثقافة النَّجاح المشترك، حيث يُكافأ الفريق بأكمله على الإنجاز الجماعيِّ؛ ممَّا يُحوِّل التنافس غير الشَّريف إلى تكامل مثمر، وكذلك على الفرد الذي يجد نفسه مضطرًا للتَّعامل مع هذه البيئة أن يتحلَّى بـالصلابة النفسيَّة، ويتحقَّق ذلك من خلال وضع حدود واضحة في التعامل. والتركيز الكامل على الأهداف المهنيَّة والشخصيَّة دون الالتفات للمثبِّطين، يُعدُّ درعًا واقيًا من السِّهام الطَّائشة للحاقدِينَ.
(إنَّ نجاحَ الآخرِينَ لا يعنِي بأيِّ حالٍ من الأحوالِ فشلنَا).


