ما الذي يدفع الإنسان إلى أنْ ينقلبَ على أفكاره، بعد أنْ أفنى سنواتٍ من عمره في الدفاع عنها؟ وكيف يتحوَّل بعض المفكِّرين من أشد المؤمنِين بقناعاتهم إلى أكثر المنتقدِين لها، حتى يبدُو وكأنَّهم يهدمُون بأيديهم ما شيَّدُوه على امتداد عقود من البحث والكتابة؟
ليس كلُّ تحوُّلٍ فكريِّ دليلًا على التناقض، كما أنَّه ليس دائمًا علامة على النُّضج. فالتاريخ الإنسانيُّ حافلٌ بمراجعات قادت إلى اكتشافات كبرى، وأسهمت في تصحيح مسارات فكريَّة راسخة. لكنَّه عرف أيضًا تحوُّلات يصعب فهمها إذا اقتصرنا على قراءة الأفكار وحدها؛ لأنَّ الإنسان لا يعيشُ بعقله مجرَّدًا، بل يحمل أفكاره أينما حملته تجاربُه، وترافقها آمالُه وخيباتُه، وانتصاراتُه وانكساراتُه.
ولهذا، فإنَّ بعض التحوُّلات الفكريَّة الكُبرى تبدو أكثر تعقيدًا من أن تُفسَّر بمنطق البرهان وحده، كما يصعب ردها إلى سببٍ نفسيٍّ واحدٍ. فالفكرة لا تُولَد في فراغ، والنَّفس لا تعيشُ بمعزل عن الفكر، وما يكتبه الإنسانُ كثيرًا ما يكون امتدادًا لما يعيشه بقدر ما يكون تعبيرًا عمَّا يعتقده.
ومَن يتأمَّل سِير بعض المفكِّرين الذين انتقلُوا من أقصى موقف إلى نقيضه، كما في تجربة عبدالله القصيمي وغيره، يدرك أنَّ التحوُّل لم يكن مجرَّد تبدُّل في القناعات، بل كان في أحيان كثيرة انعكاسًا لتحوُّل أعمق في نظرتهم إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم. فحين تتغيَّر صورة الإنسان عن ذاته، كثيرًا ما تتغيَّر معها صورة العالم أيضًا.
ويبلغ هذا الصراع ذروته، عندما يصل الإنسان إلى مرحلة يراجع فيها حصيلة عمره، فيكتشف أنَّ الواقع لم يحقق كثيرًا ممَّا حلم به، وأنَّ المثال الذي دافع عنه طويلًا لم يجد صورته الكاملة في الحياة. عندها قد تتحوَّل المراجعة الهادئة إلى مراجعة قاسية، ويصبح الإحباطُ عدسة ينظر من خلالها إلى المجتمع والثقافة والتاريخ، فتشتد الأحكامُ، وتتَّسع الهوَّةُ بينه وبين ماضيه.
وفي مثل هذه اللَّحظات قد تنشأ حالة يمكن أنْ نسمِّيها بالنرجسيَّة الفكريَّة، لا بوصفها تشخيصًا نفسيًّا، وإنَّما باعتبارها ميلًا إلى الاعتقاد بأنَّ الخلل يكمن دائمًا خارج الذات. فيصبح المجتمعُ مسؤولًا عن الإخفاق، والثقافة سببًا للتَّراجع، والموروث عائقًا أمام التقدُّم. وهنا لا يقتصر الأمر على مراجعة فكرة، أو نقد رأي، بل يمتد إلى القطيعة مع منظومة كاملة كانت يومًا موضع يقينٍ وانتماءٍ.
ومع ذلك، فإنَّ الإنصاف يقتضي التَّفريق بين المراجعة الفكريَّة، والارتداد الفكريِّ. فالمراجعةُ قد تكون ثمرةً عقلٍ يملك شجاعة الاعتراف بما تكشَّف له من حقائق جديدة، أمَّا الارتدادُ فقد يكون -في بعض صوره- انعكاسًا لصراعٍ داخليٍّ يبحث عن مخرج بقدر ما يبحث عن الحقيقة. ولذلك لا يجوز تفسير كل تحوُّل فكريٍّ بأنَّه أزمة نفسيَّة، كما لا يصح اعتباره دائمًا انتصارًا خالصًا للعقل.
فالإنسان لا يغير أفكاره دائمًا؛ لأنَّه وجد الحقيقة، بل قد يغيرها لأنَّه لم يعد قادرًا على التعايش مع صورته القديمة. وعندما تختلط الحاجة إلى الحقيقة بالحاجة إلى الطمأنينة، يصبح من الصعب التمييز بين ما يمليه البرهانُ، وما تمليه الجراحُ.
ولعلَّ هذا هو ما يجعل الحُكم على التحوُّلات الفكريَّة من أصعب الأحكام؛ فهي لا تُقرأ من خلال الأفكار وحدها، ولا من خلال النَّفس وحدها، بل من خلال التفاعل المستمر بينهما. فالعقل يسعى إلى إقناع نفسه بما يراه حقًا، بينما تسعى النفس إلى الاحتماء ممَّا يؤلمها، وبين المسارَين تتشكَّل كثير من القناعات التي نظنُّها نتاجًا للفكر وحده.
ولعلَّ أكثر ما يخطئُ فيه النَّاسُ أنَّهم يحاكمُونَ الأفكار بمعزل عن أصحابها، مع أنَّ الفكر، في كثيرٍ من الأحيان، ليس سوى السِّيرة الداخليَّة لصاحبه، وقد كُتبت بلغة العقل.


