Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

(ابن زويبن).. وذاكرة تستحق أن تُحفظ

A A
لديّ قناعة راسخة بأن الشعر النبطي السائد في جزيرة العرب هو الامتداد التاريخي الطبيعي للشعر الفصيح، وأن العلاقة بينهما ليست علاقة تشابه لفظي عابرة، بل علاقة نسب لغوي حقيقي؛ اختلف فيها اللسان واللهجة، وبقيت الروح والأغراض والقيم والجرس والسليقة الشعرية.. ولذلك لا أجد غرابة في أن أرى شعراء الجزيرة العربية المتأخرين، مثل ابن جدلان، والمسعودي، وبندر بن سرور، وبديوي الوقداني، امتدادًا لزهير وطرفة وأبي الطيب وجرير وغيرهم، من شعراء الحكمة والبيان والفروسية ومكارم الأخلاق؛ وإن اختلفت الأزمنة والألفاظ.. ولو أتيح المجال لسرد الأدلة والشواهد لإثبات هذه القناعة لفعلت، لكنها في نظري أوضح من أن تحتاج إلى برهان؛ خصوصاً لمن عاش الشعر وعرف أسراره، كما فعل طه حسين ذات مرة.
من بين القمم الشعرية السعودية يبرز اسم (عبدالله بن زويبن) رحمه الله، كأحد أهم شعراء الجزيرة العربية في القرن الأخير، ولعله من أكثر الأسماء التي حظيت بإجماع واسع بين محبي الشعر من البحر إلى البحر، بما امتلكه من قدرة بلاغية ووصفية نادرة، وقوة وجزالة في المعنى، وحكمة لا تخطئها الأعين؛ جعلته مدرسة متفردة بذاتها، وأحد أبرز من ارتقى بهذا الفن إلى مستويات رفيعة من الإبداع.
وأكثر ما يلفتك في تجربة (ابن زويبن) ليس شاعريته المتفردة فقط، بل حكمته وأخلاقه الشعرية أيضًا، ففي زمن كانت فيه بعض القصائد تنجرف نحو الألفاظ الخشنة أو العبارات الخارجة، بقي (عبدالله بن زويبن) محافظًا على رقي لغته وسمو مفرداته، فلم يكن يرى أن الانتشار يحتاج إلى إسفاف، ولا قوة الحجة تُستكمل بخشونة العبارة.. وربما كان تمكّنه البلاغي هو ما أغناه عن ذلك؛ فالعاجز هو من يستعين بالألفاظ السوقية حين تعجزه المعاني، أما الشاعر الحقيقي فينتصر بالكلمة الحكيمة، والمعنى العميق.
اليوم.. وبلادنا تعيش -ولله الحمد- نهضة غير مسبوقة، نتذكر هذا الشاعر الكبير وغيره من الشعراء الشعبيين في المملكة العربية السعودية، لأن الأمم حين تنهض لا تكتفي ببناء المدن والمشروعات، بل تلتفت أيضًا إلى ذاكرتها الثقافية، وتحفظها للأجيال القادمة.. والشعر النبطي ليس لونًا من ألوان الترفيه وحسب كما يتصور البعض، بل هو وثيقة اجتماعية وتاريخية ولغوية، حفظت تفاصيل الحياة في بلادنا خلال القرنين الأخيرين، وسجلت لهجاتها، وعاداتها، وقيمها، وتحولاتها، وانتصاراتها، وأفراحها، وأحزانها.. ومن يقرأ هذا اللون من الشعر قراءة واعية، يقرأ تاريخ مجتمع كامل، لا مجرد أبيات موزونة.
كل ما أتمناه أن نرى مشروعًا وطنيًا متكاملًا لتوثيق أعلام الشعر النبطي في المملكة، بالصوت والصورة، وبالمخطوطات، والروايات الشفهية، والدراسات النقدية، والأفلام الوثائقية، حتى يبقى هذا الإرث حيًا في ذاكرة الوطن، لا حبيس الأشرطة القديمة أو صدور الرواة.. وإذا كانت أمم كثيرة تفاخر اليوم بمتاحف شعرائها وأرشيفهم الكامل، فإن لدينا شعراء صنعوا وجدان المجتمع السعودي لعقود طويلة، وأسهموا في تشكيل ذائقته وثقافته، ولا يقلون استحقاقًا لأن يُحفظ إرثهم للأجيال القادمة.
لو كل كلمه ليا جتـنا طردناها
بعنا الثمينه بسعرٍ ما يخارجها
والناس بالحق حكم الشيخ ما ارضاها
ما ترضي الناس لو انك تحججها
ارسم لنفـسك حدود ولا تعداهـا
من حط نفسه بدرب الضيـق يحرجها!
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store