نُهنئكُم بالثِّقة الغالية مع تقلُّدكُم لزمام الأمانة في مدينةٍ ليست ككل المدن، فالطموح هنا لا يقفُ عند حدود الإدارة التقليديَّة، بل يمتد ليكون استعادةً لرُوح «جدَّة» التي ضاعت بين صخب الإسمنت، وغبار التوسُّع العشوائيِّ. إنَّنا اليوم لا نتحدَّث عن صيانة شوارع أو رصف طرق، بل نتحدَّث عن «هوية» مدينة تُصارع لتتنفس من تحت ركام الغابة الإسمنتيَّة الجامدة.
لقد انحبست عناية الأمانة لسنوات طويلة في «الشريط الساحلي» الغربي، وكأنَّ جدَّة لا تمتدُّ إلَّا حيث يمتد البحر. وبينما تزهو الواجهات البحريَّة بالحدائق، تئن أحياؤها الشرقيَّة والشماليَّة الشرقيَّة والجنوبيَّة تحت وطأة الجفاف البصريِّ. إنَّهَا أحياء سكنية شاسعة تفتقر لـ»أنسنة» المكان وجودة الحياة. فلا حديقة تحتضن الصغار، ولا مسارات مشاة تُغري العابرين، ولا إصحاح بيئي يليق بكرامة القاطنين. لقد تحوَّلت هذه الأحياء إلى «مراقد خرسانيَّة» تفتقر لأبسط معايير جودة الحياة؛ ممَّا خلق فجوةً طبقيَّةً جماليَّة شطرت المدينة إلى «غربٍ مخمليٍّ» و»شرقٍ منسيٍّ».
تعيش جدَّة اليوم، «أزمة هوية» بصريَّة ومعماريَّة حادَّة. فالمباني باتت هجينًا لا يعبر عن تاريخ الحجاز العريق، ولا يتبنَّى حداثة المستقبل الواثقة. وهذا الضياع يمتدُّ ليطال «هوية الطرق»؛ فلا هي طرق سريعة بانسيابيَّة عالميَّة، ولا هي شوارع تجاريَّة بتنظيم حضريٍّ دقيق. إنَّ غياب «البصمة الموحَّدة» جعل من شوارعنا مساحات مشوَّهة تفتقر للوحدة البصريَّة التي تمنح المدن الكبرى هيبتها.
خمسة عشر عامًا، والوعود بمشروع «مترو جدَّة» تتردَّد في الأروقة كصدى بلا جسد. ملياراتٌ صُرفت على الدِّراسات والاستشارات، وما زال المواطنُ يحترقُ تحت شمس الزحام الخانق، مرتهنًا لسيارته الخاصَّة، في ظل غياب شبكة نقل عام كفؤة. إنَّ تأخُّر هذا المشروع الإستراتيجي ليس مجرَّد تعطُّل مروريٍّ، بل هو استنزافٌ للاقتصاد، والوقت، والأعصاب، وعائقٌ حقيقيٌّ أمام تحوُّل جدَّة إلى مدينة ذكيَّة ومنتجة.
أمَّا المعضلة التي استعصت على أسلافكم، فهي «مسلخة الحفر» وسرعة اهتراء الطبقة الإسفلتية التي باتت بصمةً جينيَّةً تلازم شوارع العروس. إنَّ اهتراء الشوارع ليس مجرَّد سوء تنفيذ، بل هو دليل على «عجز إداريٍّ وتكتيكيٍّ» تراكم عبر العقود. فكيف لمدينة تحتضن أهم الموانئ والمطارات أن تظل شوارعها «فخاخًا» للمركبات، ومصدرَ هدرٍ يومي وتلوُّث بصري؟
معالي الأمين..
إنَّ جدَّة لا تحتاج اليوم، إلى وعودٍ برَّاقة، بل تحتاج إلى «إعادة هيكلة للرُّوح». تحتاج إلى مَن يغرس الشَّجر في الشَّرق كما يغرس الأبراج في الغرب، ومَن يحرِّر مشروع المترو من أغلال الورق، ومن يغلق ملف الحفر، وتصريف السيول، ويقضي على القوارض، والتلوُّث بجديَّة القوي الأمين.
جدَّة تنتظر منكم أنْ تعيدوا لها «إنسانيَّتها» المسلوبة؛ لكي لا تظل مدينةً نسكنها.. بل تصبح مدينةً تسكن فينا... أعانكُم الله، وسدَّد خُطاكُم.


