Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

لماذا يسهل خداعنا؟!

A A
«مَن يستطيع إيهام الجماهير، يصبح سيِّدًا لهم، ومَن يحاول إزالة الأوهام من مخيلتهم، يصبح ضحيَّةً لهم».
هذه المقولة للطَّبيب والفيلسوف الفرنسي (غوستاف لوبون) تعدُّ من أكثر المقولات التي لخَّصت جانبًا عميقًا من طبائع البشر، وأكثرها قربًا لواقعهم المعاش.. ولو تأمَّلت ما يدور حولنا، لازددت اقتناعًا بأنَّ المشكلة لم تكن يومًا في وجود مَن يبيعون الوهم، بل في إنجذاب الإنسان الفطريِّ إلى مَن يمنحه الشعور الذي يحبُّه ويرتاح إليه، أكثر من ميله إلى من يهديه الحقيقة التي يحتاجها!.
هل لاحظت كم شخصًا يعدك بالثَّراء في أشهر قليلة من خلال الكتب أو البرامج، أو مَن يؤكِّدُون لك أنَّ النجاح لا يحتاج إلَّا إلى الشغف فقط، أو من يختصرُون للناس تحقيق السعادة في خمس خطوات؟!. المدهش أنَّه رغم الواقع الذي يخبرنا كلَّ يوم بأنَّ الحياة أعقد من ذلك بكثير، فإنَّ هذا (الاستسهال) الساذج لا يزال يجد قبولًا واسعًا وجمهورًا متناميًا.. وكأنَّ الناس لا يشترُون الحقيقة، بل يشترُون الأمل السهل، حتَّى لو كانوا يعرفُون أنَّه مزيفٌ!.
لقد وجد هذا الخداع المريح في وسائل التَّواصل فضاءً واسعًا وصالحًا للنموِّ والتمدُّد، كونها -وأعني وسائل التَّواصل- لا تكافئ الفكرة الأعمق، بل الأكثر إثارةً والأسرع انتشارًا.. حتى لو كانت تفتقر إلى المنطق أو المصداقيَّة، ولذلك من السَّهل أنْ ينتشر اليوم (مقطع) يوهم الناس بحلِّ مشكلة معقَّدة في دقيقة واحدة، بينما يبقى شرح أستاذ متخصِّص قضى سنوات في إعداده حبيس دائرة ضيِّقة؛ لأنَّ الجمهور -في كثير من الأحيان- لا يختار بين الصحيح والخاطئ، بل بين ما يريحه، وما لا يريحه كما قلنا.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم الشَّطر الثَّاني من مقولة (لوبون).. فمَن يحاولُون إزالة الأوهام لا يُقَابلُون -عادة- بالامتنان والقبول، بل بالضِّيق أو السُّخرية أو حتى الاتِّهام والهجوم؛ لأنَّ الحقيقة -غالبًا- ما تطلب من الإنسان أنْ يعيد النظر في قناعاته، والاعتراف بأخطائه، وبذل جهد إضافيٍّ، أمَّا الوهم فلا يطلب سوى مواصلة التَّصفيق.. ولهذا، فالطبيب الذي يمنعك من السكَّر أقل شعبيَّة من صديق يقول لك (اسأل مجرِّبًا ولا تسأل طبيبًا)، والمدير الذي يصارح الموظَّفين بما ينقصهم، أقل شعبيَّة من الذي يوزِّع عليهم العبارات المعسولة.. والكاتب الذي ينتقد وهمًا محبوبًا عند المجتمع أقلُّ قبولًا من الذي يجامل، ويُحمِّل الآخرين أسباب مشكلاتنا!.
إنَّ معيار جودة المحتوى الانسانيِّ لا ينبغي أنْ يكون مقدار ما يمنحك من شعور مؤقَّت بالرِّضا والرَّاحة، بل بقدر ما يوسِّع وعيك، ويصحِّح رُؤيتك، ويترك فيك أثرًا، حتى لو خالف قناعاتك، أو حمَّلك جزءًا من المسؤوليَّة.. ولعلَّ هذه الإشكاليَّة هي ما جعلت مقولة (غوستاف لوبون) تبقى وتتجدَّد لأكثر من قرن.. فعلى الرغم من تطوُّر المجتمعات الإنسانيَّة في أشياء كثيرة، إلَّا أنَّها ما زالت تنجذب بسهولة إلى من يمنحها ما تحب سماعه، أكثر ممَّن يمنحها ما تحتاج إليه!.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store