Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد حسن الخضير

فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني

A A
الأمم الحكيمة في عهود مضت، كانت تقطع الفيافي والقفار؛ بحثًا عن حكمة تبدِّد حيرتها، فكانت المعرفة عزيزة المنال، تُطلَب بالارتحال، وتُصَان بالتدبُّر. أمَّا اليوم، فقد انقلبت الأوضاع تمامًا؛ فلم يعد الإنسان المعاصر يشكُو شُحَّ المعلومة، بل بات يغرق في سيلها الجارف. لقد تحوَّلنا من كائنات تبحث عن الوعي، إلى مستودعات تُشحَن قسرًا بآلاف الصُّور، والأخبار، والجدالات اليوميَّة، التي لا تترك وراءها سوى الرَّماد الذهنيِّ.
هذا التراكم البصريُّ والمعرفيُّ يضعنا أمام سؤال ملحٍّ: هل كثرة الامتلاء تقود إلى الحكمة، أم أنَّها تحجبها؟
إنَّ العقل البشريَّ، في أصله، أشبه برواق مهيَّأ للتأمُّل، لكن التدفُّق المستمر للحياة الحديثة حوَّله إلى سوقٍ صاخبٍ. نحن نستهلكُ يوميًّا تفاصيل لا نحتاجها، ونحتفظُ في بنيتنا الذهنيَّة بمعارك وهميَّة، ونقاشات عابرة، وأحداث تنتهي صلاحيَّتها بعد دقائق من ولادتها. هذا الاكتناز العشوائيُّ يلتهم المساحات البيضاء في أرواحنا، تلك المساحات الصَّافية التي يُولد فيها الإبداعُ الحقيقيُّ، وتنبت فيها الأسئلة العميقة.
يرى حكماءُ التراث الإنسانيِّ أنَّ الرشاد ليس في استيعاب كلِّ شيءٍ، بل في امتلاك القدرة على فرز ما يستحق البقاء في الوعي، وإبعاد ما سواه. إنَّ امتلاء الذاكرة بالهوامش يمنع الإنسان من صياغة رُؤيته الخاصَّة، ويجعل وعيه مجرَّد صدى لأصوات الآخرين، بدلًا من أنْ يكون صوتًا مستقلًّا نابعًا من جوهره.
من هنا، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ»غربلة الوعي».
إنَّها ليست دعوةً للانعزال، بل هي ممارسةٌ واعيةٌ لتطهير الفكر، تعتمد على مبدأ «الانتقاء»؛ لتوفير طاقة العقل للتأمُّل العميق. إنَّ هذا المسلك يعني عزل الشَّوائب والمؤثِّرات الخارجيَّة لتمكين الذَّات من رُؤية جوهر الأشياء لا ظواهرها المُربكة.
إنَّ هذا التجاوز يعني ممارسة التدبُّر الصَّارم لكلِّ ما هو هامشيٌّ ومؤقتٌ، وإغلاق النَّوافذ التي تُشرع لتعيث بالاتِّزان الفكريِّ. حين نُخلي عقولنا من ضجيج الأخبار المتلاحقة، وصخب السجالات السطحيَّة، فإنَّنا نعيد ترميم جدران وعينا، ونسمح للأفكار الكُبرى والجميلة بأنْ تجد متَّسعًا للنموِّ والنضوجِ.
إنَّ المفكِّر اليوم، لا تُقَاس ريادته بحجم ما يستهلكه من دفقٍ معلوماتيٍّ، بل بقدرته على الانتقاء والإبعاد الواعي. نحتاج إلى تدوير زوايا رُؤيتنا لنتعلَّم «فن الترك»، ترك الفضول العابر، الذي لا يبني وعيًا ولا يهذِّب رُوحًا.
إنَّ التحرُّر من هذا الامتلاء هو الخطوة الأُولى نحو استعادة هدوء العقل؛ ليعود إلى فطرته الأولى: صافيًا، عميقًا، وقادرًا على قراءة الوجود بعين فاحصة لا تغشاها غيوم الضوضاء.
إنَّ أثمن ما يمكن أنْ يمتلكه إنسانُ هذا العصر هو «مساحة بيضاء» في عقله، يكتب فيها تفاصيل حريَّته بعيدًا عن صخب العالم.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store