Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

وكلاء إيران.. ومسؤولية العراق

A A
تؤكد الاعتداءات المتكررة التي تستهدف المملكة ودول المنطقة أن إيران لم تتخلَّ عن استراتيجية إدارة الصراعات عبر الميليشيات المسلحة. فبدل المواجهة المباشرة، تعتمد طهران على جماعات تدين لها بالولاء، وتوفر لها السلاح والتدريب والتمويل، لتنفذ عمليات تحقق أهدافًا سياسية وعسكرية، مع محاولة إبقاء المسؤولية القانونية والسياسية بعيدة عنها.
ولم تعد هذه السياسة تقتصر على ساحة واحدة، بل امتدت من اليمن إلى العراق ولبنان وسوريا، لتشكل شبكة من الوكلاء تتحرك وفق حسابات تتجاوز حدود الدول التي تنشط فيها. والنتيجة هي زعزعة الاستقرار الإقليمي، ورفع كلفة الأمن، وخلق بؤر توتر قابلة للاشتعال كلما اقتضت مصالح طهران ذلك.
لكن استخدام الميليشيات لا يعفي الدولة الراعية من المسؤولية. فحين تُزوَّد جماعة مسلحة بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ أو المعلومات الاستخباراتية، ثم تستخدمها في استهداف دولة أخرى، فإن المسؤولية لا تقع على المنفذ وحده، بل تمتد إلى من خطط وسلّح ودعم ووجّه.
والأخطر أن هذه الاعتداءات لا تستهدف مواقع عسكرية فقط، بل تطال منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية، بما يهدد الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأمن الملاحة الدولية، ويحوّل أمن المنطقة إلى رهينة لحسابات الميليشيات.
ومن هذا المنطلق، تكتسب مطالبة المملكة للحكومة العراقية بمنع استخدام أراضيها منطلقًا للاعتداء على دول الجوار أهمية خاصة. فهي ليست تدخلًا في الشأن العراقي، بل تستند إلى قاعدة راسخة في القانون الدولي، تقضي بأن تتحمل كل دولة مسؤولية منع استخدام أراضيها للإضرار بالدول الأخرى.
كما أن هذه الدعوة تصب في مصلحة العراق نفسه. فوجود جماعات مسلحة تتصرف خارج سلطة الدولة لا يهدد جيرانه فحسب، بل ينتقص من سيادته ويقوض احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني. لذلك فإن استعادة الدولة العراقية سيطرتها الكاملة على أراضيها ومؤسساتها تمثل مصلحة وطنية عراقية قبل أن تكون مطلبًا إقليميًا.
لقد حرصت المملكة على التمييز بين العراق الدولة، الذي ترتبط معه بعلاقات متنامية، وبين الميليشيات التي تعمل وفق أجندات خارجية. وهي بذلك تجمع بين احترام سيادة العراق، والمطالبة المشروعة بمنع استغلال أراضيه في تهديد أمن دول الجوار.
وفي المقابل، فإن تأكيد المملكة عزمها على حفظ أمنها وسيادتها وردع المعتدين يعكس سياسة ثابتة تقوم على مبدأين متلازمين: الحرص على الاستقرار، والاستعداد للدفاع عن النفس.
فالردع لا يعني السعي إلى الحرب، وإنما منعها. وهو يقوم على إقناع الطرف المعتدي بأن تكلفة الاعتداء ستكون أعلى من أي مكاسب يتوقعها. ولهذا فإن امتلاك القدرة العسكرية، إلى جانب الجاهزية الاستخباراتية والتحرك الدبلوماسي، يمثل منظومة متكاملة لحماية الأمن الوطني.
ومن هنا، فإن تأكيد المملكة احتفاظها بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين يوجه رسالة واضحة بأن أمنها الوطني ليس مجالًا للمساومة، وأن استخدام الوكلاء أو الانطلاق من أراضي دولة ثالثة لن يحجب المسؤولية، ولن يمنح المعتدي حصانة من التبعات.
لقد أثبتت التجارب أن التساهل مع الميليشيات لا يؤدي إلى احتوائها، بل يشجعها على التوسع. كما أن الفصل بين الميليشيا والجهة التي ترعاها أصبح أكثر صعوبة في ظل ما يتوافر من أدلة على شبكات التمويل والتسليح والتوجيه.
ولهذا، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على اعتراض الطائرات المسيّرة أو إحباط الهجمات، بل تتطلب تجفيف مصادر الدعم، وتعزيز سيادة الدول، ومنع انتشار السلاح خارج المؤسسات الشرعية، ومحاسبة الجهات التي تستخدم الميليشيات أداة لتحقيق أهدافها الإقليمية.
إن الرسالة السعودية في هذا السياق واضحة ومتوازنة: المملكة لا تسعى إلى التصعيد، لكنها لن تسمح بتحويل أمنها إلى ورقة ضغط أو ابتزاز. فهي تمد يدها للتعاون مع الدول التي تحترم حسن الجوار، وفي الوقت نفسه تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع عن سيادتها وحماية مصالحها وفق قواعد القانون الدولي.
فاستقرار المنطقة لن يتحقق ما دامت بعض الدول تراهن على الميليشيات بدل الدولة، وعلى الوكلاء بدل العلاقات الطبيعية بين الدول. أما الأمن الحقيقي، فيبدأ حين تحتكر الحكومات وحدها قرار السلاح، وتمنع استخدام أراضيها منصةً للاعتداء على الآخرين.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store