لا شكَّ أنَّنا، عضوات صالون الكلمة الثقافيِّ، نفتقدُ تلك الأجواء التي عشنَاها خلال موسمين من الفعاليَّات المتنوِّعة، خصوصًا بعد أنْ وُفِّقنَا في استقطاب شخصيَّات متميِّزة على المستوى الفكريِّ والثقافيِّ والإنسانيِّ. وللمكان في جمعيَّة الثقافة والفنون أهميَّته، غير أنَّ المكان لا يصنعُ روحه من جدرانهِ، ولا من مقاعدهِ، ولا من الإضاءة التي تُهيَّأ بعنايةٍ قبل بدء اللقاء؛ بل تصنعُها الوجوهُ التي تعبره، وتتركُ فيه أثرًا يشبه أثرَ اليدِ على الماء: لا يُرى، لكنَّه يُحسُّ.
في الصالونات الثقافيَّة التي عرفتها خلال صالون المها الأدبي، والصالون الثقافيِّ بأدبي جدَّة على مدى أحد عشر عامًا، ثمَّ صالون الكلمة الثقافي، أدركتُ أنَّ المكان لا ينهض بالحوار وحده، بل بالذين يأتُون إليه محمَّلين بشغف المعرفة، وبأسئلتهم، وباختلافهم، وبقدرتهم على الإنصات. كنتُ أراقبُ الوجوه وهي تدخل الصَّالون: بعضُها يدخل بخفَّة، كأنَّه يعرفُ الطَّريق منذ زمنٍ، وبعضها يدخل بتردُّدٍ، كمن يخشى أنْ يخطئ في أوَّل خطوة. لكنْ ما إنْ يبدأ الحديث حتى تتلاشى الفوارق، ويصبح الجميعُ جزءًا من نسيج واحدٍ، كأنَّ المكان يذيبُ ما بيننا من مسافاتٍ، ويعيد تشكيلنا في هيئةِ جماعةٍ تبحث عن المعنى.
الوجوه التي تصنعُ روح المكان ليست بالضَّرورة تلك التي تتصدَّر الحديث، بل كثيرًا ما تكون الوجوه الصَّامتة التي تكتفي بالإنصات، أو تلك التي تبتسمُ في اللَّحظة المناسبة، أو التي ترفع حاجبًا دهشةً أمام فكرة جديدة. هذه التفاصيل الصغيرة تمنح الصالون نبضه، وتحوِّل اللقاء من جلسةٍ رسميَّةٍ إلى فضاءٍ حيٍّ يتنفَّسُ بالحضور.
ومع مرور السَّنوات، تتبدَّل الوجوه. يغيبُ بعضُهم لانشغال أو سفر أو تعب، ويأتي آخرُون يحملُون شغفًا جديدًا. وفي كلِّ مرَّة كنتُ أشعرُ أنَّ المكان يختبر قدرته على البقاء: هل يظل حيًّا رغم الغياب؟ كنتُ أكتشفُ أنَّ المكان لا يموتُ، لكنَّه يفقد طبقةً من روحه كلَّما غاب وجه كان جزءًا من ذاكرته.
حين توقَّف نشاط الصَّالون الثقافي بأدبي جدَّة في أكتوبر 2023، شعرتُ أنَّ المكان دخل في صمتٍ طويلٍ. لم يكن الصَّمتُ فراغًا، بل كان مساحةً للتأمُّل: ماذا يبقى من الصالون حين تغيب الوجوه؟ تبقى الذاكرةُ، وتبقى القصصُ، وتبقى اللَّحظاتُ التي صنعت معنى: تلك الأمسية التي تغيَّر فيها رأي أحدهم بعد نقاش طويل، وتلك القصيدة التي قرأتهَا شاعرةٌ للمرَّة الأولى، وتلك الفكرة التي خرجت من الصالون لتصبح مشروعًا أو كتابًا أو مبادرةً، كلمات الثناء التي تفتح أبواب البهجة في نفوسنا، هي التي تشعرنا أنَّنا اجتهدنا، وكان لاجتهادنا ثمارٌ طيِّبة جنيناها فورًا.
تلك الوجوه لروَّاد الصالون هي التي تصنع روح المكان؛ لأنَّها تمنحه تاريخه. والمكان، حين يفقد وجوهه، لا يفقد قيمته، بل يعود إلى حالة انتظار، كمن يفتح نافذةً ويترقَّب نسمةً جديدةً.
في كلِّ صالون عرفتُه، وفي كلِّ مجلس مررتُ به، كنتُ أتعلَّمُ درسًا واحدًا: أنَّ المكان ليس ما نذهب إليه، بل ما نحمله معنا حين نغادره. وأنَّ الوجوه التي تصنع روحه هي تلك التي تترك أثرًا في الذاكرة، وتمنح الحوار حياةً أطول من زمن اللقاء.
وهكذا، حين نفكر في الصالونات الثقافيَّة، لا نفكر في المكان، بل في الوجوه التي صنعت روحه، وفي تلك اللحظات التي جعلت من اللقاء حدثًا لا يُنسى.
لن يطول الغياب، لتعود تلك الوجوه تضيءُ المكان، ونعود مع الحبيبات عضوات الصَّالون، إلهام بكر، نور العمودي، سعاد جابر، جواهر القرشي، مها عقيل، إيمان أشقر، رشا أبوالسعود.


