Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد حسن الخضير

الرياضة.. مرآة الشعوب وسجل وعيها

A A
ليست الرياضةُ مجرَّد منافسة تُحسم بهدفٍ أو صافرةِ حكمٍ، بل هي مرآة تعكسُ مستوى وعي الشعوب، واحترامها للقانون، وقدرتها على إدارة مشاعر الفوز والهزيمة. وما يحدث في الملاعب لا يقلُّ دلالة عمَّا يحدث في ميادين السياسة والاقتصاد؛ لأنَّ الرياضة، في لحظات معدودة، تكشف ما قد تخفيه المجتمعات سنواتٍ طويلة.
ولعل أجمل ما في الرياضة أنَّها لغة إنسانيَّة لا تحتاج إلى ترجمة. فهي تجمع شعوبًا تختلف في لغاتها وثقافاتها وأديانها وألوانها، لكنَّها تتَّفق على احترام قواعد المنافسة، والاحتفاء بالإبداع، والتصفيق للمتميِّز مهما كان انتماؤه. ومن هنا أصبحت الرِّياضة إحدى القوى الناعمة التي تبني جسور التقارب بين الأمم، وتمنح الإنسانيَّة مساحة تلتقي فيها بعيدًا عن خلافات السياسة وصراعات المصالح.
وعندما يسود الوعي، تتحوَّل الملاعب إلى ساحات للتنافس الشَّريف، واحترام الخصم، والالتزام بالقواعد، وقبول النتيجة بروح رياضيَّة. أمَّا حين يتراجع العقل أمام التعصب، وتغذِّي بعض المنابر الإعلاميَّة الانفعالات، فإنَّ الرياضة قد تُختطف من رسالتها السامية، لتصبح ساحة تُستدعى إليها الخلافات الكامنة، وتفقد جزءًا من قيمتها الإنسانيَّة.
وقد سجل التاريخ شواهد مؤلمة على ذلك. فما عُرف بـ«حرب كرة القدم» بين السلفادور وهندوراس عام 1969 لم يكن بسبب مباراة، بقدر ما كان نتيجة احتقان سياسيٍّ واجتماعيِّ وجد في الرياضة شرارةً أشعلته. وهنا تتجلَّى الحقيقة الأهم: فالرياضة لا تصنعُ الكراهية، لكنَّها تكشف ما يختبئ في النفوس عندما يغيب الوعي، وتُظهر أثر التربية والثقافة في سلوك الجماهير.
إنَّ المشكلة ليست في التشجيع، فحب الانتماء شعورٌ إنسانيٌّ نبيلٌ، وإنَّما تبدأ حين تتحوَّل الهويَّة الرياضيَّة إلى هويَّة وجوديَّة، فيرى الإنسان في فوز فريقه انتصارًا لذاته، وفي هزيمته انتقاصًا من كرامته. عندها لا يعود يشاهد المباراة، بل يخوضها نفسيًّا، ويتحوَّل المنافس إلى خصم، ويصبح الانتصار غايةً تبرر الانفعال، لا مناسبة لإبراز الأخلاق.
وقد أسدل مونديال 2026 ستاره، لكنَّه ترك رسالةً تتجاوز نتائج المباريات، وجداول الأبطال. فقد شاهد العالم ملايين البشر يجتمعون حول حدث واحد، يتشاركُون الفرح والانبهار، ويتابعُون منافسة تجمع بين الشعوب أكثر ممَّا تفرِّق بينها. وكانت تلك الصورة المشرقة تؤكِّد أنَّ الرياضة، حين تُمارس بروحها الحقيقيَّة، تصبح جسرًا للتفاهم الإنسانيِّ، لا ميدانًا للخصومة.
فالرياضة لا تصنع أخلاق الشعوب، لكنها تكشفها. وما يظهر في المدرجات ليس إلَّا انعكاسًا لما غرسته الأسرة، وبنته المدرسة، ورسخه الإعلام، وأسهمت في تشكيله مؤسسات المجتمع. ولهذا فإنَّ كل بطولة كبرى ليست اختبارًا لقدرات اللاعبين فحسب، بل امتحان لوعي الجماهير، ونضج الإعلام، وثقافة المجتمع.
قد تنتهي البطولات بتتويج بطل، لكنَّ أثرها الحقيقي يبدأ بعد صافرة النهاية. فالنتائج تحفظها سجلات المنافسات، أمَّا الأخلاق فتحفظها ذاكرة الأمم. وستظل الرياضة، في نهاية المطاف، مرآةً صادقةً نقرأ فيها صورة الشعوب، فإنْ رأينا فيها احترامًا وإنصافًا وتسامحًا، أدركنا أنَّ الفوز الحقيقي لم يكن في إحراز الأهداف، بل في انتصار القيم.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store