Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

عيـــــــــون

A A
«أبو أربع عيون»، كانت من عبارات الاستهزاء بمن يلبس النظارات أيام الصِّغر. واليوم اكتشفتُ أنَّ أحد أكبر اللَّاعبين في عالم التجسُّس يمكن أنْ يُطلق عليه وصف «أبي خمس عيون». والمصطلح يرمز إلى مجموعة استخباراتيَّة عالميَّة متميِّزة، مكوَّنة من أذرع استخباراتيَّة أساسيَّة من خمس دول:
ست عشرة من الولايات المتحدة، وأربع من بريطانيا، وثلاث من كندا، وخمس من أستراليا، وثلاث من نيوزيلندا. تشكَّلت مجموعة العيون بعد الحرب العالميَّة الثانية للتعاون في أمور المراقبة العالميَّة لأنشطة عسكريَّة ومدنيَّة مختلفة. ومع مرور الزَّمن، يُقدَّر أنَّ عدد العيون زاد ليشمل العديد من الدُّول الأخرى، مع العلم أنَّ الدول الأساسيَّة كانت دولًا ناطقة باللُّغة الإنجليزيَّة، وكانت تابعة تاريخيًّا للإمبراطوريَّة البريطانيَّة بشكلٍ أو بآخرَ.
في بداية مشوار العيون، كان الموضوع محصورًا في استخبارات الإشارة، وتشمل التنصُّت والمراقبة بأساليبها المختلفة. ومع النموِّ في التقنيات الجديدة، وبالذات التَّصوير الجوي، وقدرات الأقمار الصناعيَّة، وانتشار الأجهزة الإلكترونيَّة المتطوِّرة، زادت الروابط بين الأعضاء. وعلى سبيل المثال، فقد قامت الولايات المتحدة بتطوير أجيال مختلفة من طائرات التجسُّس المتقدِّمة، وعلى رأسها اليو-2، قبل حوالى سبعين سنةً، للتَّصوير الجويِّ المتقدِّم. وتبعتها بطائراتٍ أُخْرى، أهمها الطائر الأسود «بلاك بيرد»، التي طارت لحساب وكالة الاستخبارات الأمريكيَّة في مطلع الستينيَّات، ثمَّ للقوَّات الجويَّة الأمريكيَّة. وتبعتها بتطوير أقمار صناعيَّة مختلفة بقدرات مراقبة وتصوير متطوِّرة جدًّا باسم ثقب المفتاح «كي هول»، لمجابهة المخاطر من الاتحاد السوفيتيِّ. ولكن تلك القدرات لم تكن محصورة في الجو والفضاء؛ فقد قام أسطول الغوَّاصات الأمريكيَّة والبريطانيَّة بأنشطة استخباراتيَّة متقدِّمة لمجابهة القوات السوفيتيَّة والدول المتحالفة معها. وعلى الأرض أيضًا، كانت هناك أنشطة مذهلة للتنصُّت على الاتِّصالات والأنشطة المختلفة حول العالم.
واليوم يشهد العالم صراعات مختلفة، وما يدور تحتها وحولها من أنشطة استخباراتيَّة مكثَّفة؛ من العدوان الغاشم على أراضينا ودول الخليج الشقيقة، إلى الحرب على المدنيِّين في غزَّة الصَّامدة، والحرب على لبنان الشَّقيق، إلى حرب أوكرانيا، وغيرها. كلها مدعومة بأنشطة استخباراتيَّة وتدفُّقات معلوماتيَّة تفوق الوصف. ولكنَّ هناك تطوُّرًا يستحقُّ وقفة تأمُّل مهمَّة: في السَّابق كانت الأنشطة الاستخباراتيَّة المختلفة منصبَّةً على البشر بدون موافقتهم. واليوم نجد أنَّ معظمنا يوافق على شروط لا نقرأها، ولا نهتمُّ بتفاصيلها ومعظمها في هواتفنا، علمًا بأنَّها تمنح مؤسَّسات مختلفة الحق القانوني في مراقبة ما نشاهد، وما نشتري؟ وأين نذهب؟ ومع مَن نتواصل؟ ومتى وأين نمشي؟ وكم خطوة نقطع يوميًّا؟ ومعظمنا يعطي الحق في استخدام ملامح وجوهنا لجهات لا نعلم عن نواياها ومقاصدها.
أمنيــــة:
من الصعب أنْ نتخيل أنَّ هناك عيونًا كثيرة جدًّا تراقبنا في كل لحظة، ولكن في ظل التقنيات التي نعيشها اليوم أصبح هذا هو الواقع. أتمنَّى أنْ نحرص على قراءة شروط استخدام التطبيقات المختلفة التي نستعملها؛ فهي عقود لا تقتصر أضرارها على فقدان الخصوصيَّة، بل تساهم في خدمة جهات استخباراتيَّة قد تكون ذات نوايا خبيثة.. الله يسلِّمنا من شرورها.
وهو من وراء القصد.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store