
ترتبطُ الحكمةُ في الثقافات عمومًا بالعقل والمعرفة الواسعة، والتجربة العريضة، التي تساعد على إصدار الأحكام الصَّحيحة. والتَّرجمة الحرفيَّة للفلسفة -كما هو شائع ومعروف- تعني (حبَّ الحكمةِ). وقد تباينت آراءُ المفسِّرِين في معنى الحكمة في قولهِ تعالى: (يؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)، كمَا يرد عند الطَّبري، بين العلم، والعقل، والفقه بالقرآن، والإصابة في القول والفعل (مِن هنَا خصَّها بعضهم بالنبوَّة)
يُعدُّ مفهوم الضِّيافة مفهومًا مهمًّا في الثَّقافة العربيَّة عبر تاريخها، وحتَّى اليوم. وهو مفهومٌ اجتماعيٌّ ثقافيٌّ يُخفِي خلفه منظومةً من القِيم والمبادئ والعادات والتقاليد الاجتماعيَّة، ما يجعل تناوله همًّا فلسفيًّا، يأتي ضمن سياق مبحث الأخلاقيَّات في الفلسفة. ترتبط الضيافة بالتماس مع الآخر، وهذا ما يجعلها شأنًا ذات أبعادٍ فلسفيَّة واجتماعيَّة حسَّاسة. لكنَّها مفهوم محايد في الأساس، يفسِّر ممارسة إنسانيَّة معيَّنة، ويمكن أنْ تُوسم بالسُّوء أو الحُسن (سُوء الضيافة، وحُسن الضيافة)، انطلاقًا من
فَرَسانُ.. ستجمعُ الشُّعراء والشَّاعرات الأسبوع المُقبل، وقد أصبح مهرجانُها موعدًا سنويًّا للشِّعر، للجَمَال، ولطبخ ذكرياتٍ مختلفة النَّوع والطَّبيعة، ذكريات بنكهة السمرة، كما قال شاعرنا الجميل حسن القرني. مقولة حسن هذه ذكرى جميلة من تلك الذِّكريات التي طبخناها قبل عامين، أو ثلاثة مع شعراء وشاعرات من مختلف بلاد العروبة. صرخت أمامهم منتشيًا: فَرَسانُ فتنةُ شاعرٍ ريَّانةٌ وَمجازُهَا استبرَقٌ وعقيقُ فَرَسانُ سَمراءُ الأُنوثةِ جَاعدٌ ومزاجُهَا كالزَّنجبيلِ عَتيقُ لأسبوعٍ، ظلَّت فَرَسان ترقصُ
انتهَى قبلَ أسبوعَين مهرجانُ البحر الأحمر السِّينمائي الذي تحتضنه جدَّة سنويًّا بكلِّ دفءٍ، وجدَّة جديرةٌ بمهرجان مثل هذا؛ لأنَّها -منذُ عرفنَاها- قبلةُ الفنونِ والجَمَال والإبداع. ما أجمل أنْ تكون جدَّة قبلةً لكبار الفنَّانين الذين أثروا المخيال العالمي بأعمالهم المُلهمة والمُدهشة، وما أجمل أنْ يسهم مهرجان مثل هذا في بناء صناعةٍ سينمائيَّةٍ حقيقيَّةٍ في مملكتنا الحبيبة؛ لأنَّ السِّينما -مثل باقي الفنون- تعملُ على رفع الوعي، وتنوير المجتمعات، وتذكير الإنسان بقِيَمه الإنسانيَّة العُليَا، تلك
أكتبُ -الآنَ- وبينَ يديَّ كتابُ صديقي النَّاقد الدكتور صغيّر العنزي (خطاب العنف وعنف الخطاب). ولا أخفيكُم أنِّي أشعرُ بحبور وهمَّة؛ حبور البَّاحث الذي وجد بين يديه نصًّا خلَّاقًا مُستفزًّا ومُحفِّزًا على التَّفكير والتَّحليل، وهمَّة الناقد المعتاد على الجدل والمشاغبة الثقافيَّة. لا يكتبُ صغيّر العنزي ليرضيَ أو يداهنَ، ولا تبدُو المكتسبات الصَّغيرة ضمن أولويَّاته المعرفيَّة، لذلك أجدُ فيه ناقدًا جريئًا ومُثريًا؛ ولعلَّ هذا الكتاب الذي انتهيتُ منه -الآنَ- لا يقلُّ جرأةً ولا ثراءً؛ لا في طرحه
في الدرعيَّة كنتُ؛ وما يحدث في الدرعيَّة نموذجٌ جميلٌ وبرَّاقٌ لما تفعله مملكة سلمان، ومملكة محمد الشَّامخة؛ موطنُ العزِّ والعمل، وقبلةُ الفكر والتاريخ والمستقبل. جمعتنا هذه المرَّة الدرعيَّة حول المعرفة، وحول سجال التاريخ وأسرار الحضارة، في (ملتقى الدرعيَّة الدَّولي) الذي تنظِّمه هيئةُ تطوير بوابة الدرعيَّة هذا العام، تحت شعار: (الدرعيَّة عند ملتقى التاريخ والتجارة: دور المنطقة الوسطى في التبادل العالمي)، وتهدف به إلى تعزيز الأبحاث الأكاديميَّة عن الدرعيَّة، والمنطقة الوسطى، ودراسة تاريخهما
في رمضانَ، انشغلَ أصدقاءُ الفيس بك بمحمد مسيَّر المباركِي، إثرَ منشورٍ نشرَهُ علي الشدوي عن مسيَّر، يمتدحُ فيهِ شاعريَّتهُ وتفرُّدَ تجربتِهِ الشعريَّة. أعادنِي المنشورُ إلى حفنةٍ مبعثرةٍ من ذكرياتِ الماضِي؛ حفنةٍ مكتظَّةٍ بعجائبَ المسيَّر، كمَا يعلمُ بعضكُم، وكمَا لا يعلمُ أكثركُم. مطلعُ القرنِ قضينَا سويًّا قرابةَ عامَينِ في صحيفةِ «المدينة»، كنَّا قريبَينِ من بعضِنَا، لعدَّةِ أسبابٍ، أهمِّها سهرةُ الطبعةِ الثَّالثةِ، حيثُ كانَ يحلُو للمسيَّر أنْ يتجلَّى درويشًا مكتملَ الحضرةِ، ومجنونًا رسميَّ
أثارَ حديثُ النَّاقدِ والشَّاعرِ د. أحمد التيهاني عن عمرو ابن كلثوم، ومعلَّقتِهِ جدلًا ساخنًا، أخذَ أبعادًا مختلفةً، ولعلِّي هنَا أعرضُ رأيِي حولَ الموضوعِ بعدَ أنْ وردَ اسمِي في المقابلةِ، ونالنِي ما نالنِي من (بعضِ) الحُبِّ الذِي نالَ صديقِي معظمَهُ. لكنِّي في البدءِ أظلُّ أتساءلُ: متَى سنخرجُ من جنونِ التعصُّبِ والتشنُّجِ في التعاملِ مع الآراءِ والأفكارِ؟ أحترمُ كلَّ مَن أبدَى رأيَهُ باحترامٍ لا تطاولَ فيهِ. لأنَّ هذَا جزءٌ من النقاشِ المُفيدِ المُثرِي. لكنِّي أفكِّرُ هنَا في الغوغاءِ من
كانَ صباح الثلاثاءِ قاتمَ الملامحِ، بائسَ الأنسامِ. كانَ اليومُ ثقيلَ الجسدِ.. ثقيلَ الظلِّ. قبلَ أيامٍ فقطْ، وضعتُ أعمالَ أستاذِي المعطانيِّ أمامِي في المكتبِ، لأجهِّزَ عنهَا مقالًا علميًّا مفصَّلًا. كانَ الهدف أنْ أسعدَهُ؛ أنْ أبرَّهُ بشيءٍ ممَّا يسعدهُ، فلقدْ كانَ يحبُّ أنْ يرَى ثمرَ يديهِ إنتاجًا يقرأُهُ ويناقشُهُ معَي في اتِّصالِهِ المعهودِ، كلَّمَا نُشرَ لِي بحثٌ أو مقالٌ. في الشَّارقةِ وقدْ كُنَّا سويًّا في مهرجانِ الشِّعرِ، كانَ حظِّي كبيرًا أنْ قضيتُ معهُ أوقاتًا رائعةً؛ كانتْ فرصةً
سمعتم ربما عن صالون أدب في الليث؛ مبادرة جميلة تنظمها الموسوعة العالمية للأدب العربي (أدب) بدعم من هيئة الأدب والنشر والترجمة، وتضم زيارات ثقافية وأدبية لعدد من مدن المملكة ومحافظاتها. كنت ضيفاً على الليث؛ ولم يعلم المضيفون أن لي تاريخاً معهم، تاريخاً قديماً، بدأ يتقافز للذاكرة بمجرد أن أبلغني الزملاء بالزيارة. قبل أكثر من ثلاثين عاماً، قضيت وإخوتي عامين هناك، قرر أبي فجأة فوجدنا أنفسنا هناك. نحن أبناء جدة، وصخب جدة، وغرور جدة؛ كان علينا أن نتكيف مع هذه البلدة الصغيرة، ومع بحرها القريب، وعادات
أمر ما يحدث في نيوكاسل، أمر عظيم يحدث هناك.. له علاقة بنا، نحن السعوديين، له علاقة عظيمة، ومذهلة. هكذا وجدت نفسي في قلب نيوكاسل؛ في قلبها تماماً، قلبها النابض، ملعبُ سانت جيمس بارك.. بين أكثر من خمسين ألفَ مشجعٍ متعصِّبٍ لنيوكاسل المدينة، ونيوكاسل الفريق. «المرَّة المقبلة فلتكن غترتُكَ باللَّونِ الأسودِ والأبيضِ»، قالها لي بابتهاجٍ عجيبٍ في نهاية المباراة رجلٌ من نيوكاسل، واحتضنني. الإنجليزُ لا يفعلُون ذلك. لكنَّه فعلها! كنتُ مع صديق قريب، قريب جدًّا، عبدالرحمن الفهد، عرفته من بريطانيا،
بدعوةٍ كريمةٍ من ثمانية، حضرتُ فيلم (خالد الشيخ: بين أشواك الفنِّ والسياسة) لمخرجه الذَّكيِّ جمال كتبي، الذي يأتي ضمن عروض مهرجان البحر الأحمر السينمائيِّ الدوليِّ لهذا العام 2023 في جدَّة الفن والإبداع والزُّرقة. ولا أخفيكم، فقد خرجتُ -ولا أزالُ- ممتلئًا بمشاعر البهجةِ والحنين. هناك عوامل عدَّة خلف بهجتي، لكنَّ أهمَّها -في رأيي- يتلخَّص في ذكاء المخرج، الذي استطاع بناءَ فيلمٍ رشيقٍ، يركِّز على أيقونة فنيَّة خليجيَّة، لا تخلو مسيرتها من عقباتٍ وجدل (أتذكَّرُ -الآن- الهجمةَ الشرسةَ على خالد
يهش في وجهي صديقي عبدالله، ويريني صورة لابنته الصغرى؛ علياء جميلة من جميلات الرياض، اتفقت مع صديقاتها الثلاث (نورة، الجوهرة، مضاوي). يقفن كالحوريات بين أعضاء فريق أرجنتيني؛ ميسي ليس بينهم، ولا باتيستوتا، أو حتى مارادونا. لأن الفريق ليس فريق كرة قدم، ففي الأرجنتين غير كرة القدم، كما تعلمون، فيها ثقافة وفنون وتاريخ يمكن أن يكون نافذة ثقافية ومعرفية، وهذا ما نجحت في فعله وزارة الثقافة، ممثلةً في هيئة المسرح والفنون الأدائية، حينما استضافت في الرياض عدداً من الوفود الفنية الأرجنتينية لتنظم عروضاً
بعد إحدى المناقشات العلمية التي جمعتنا، أهداني الصديق والناقد المميز أحمد صبرة رواية بعنوان مثير.. قال لي؛ لأنك زهراني، يسعدني أن أهديك روايتي هذه التي يجمعك ببطلها اسمه كما ترى. قالها مازحاً، وافترقنا. وبعد أيام وجدت نفسي وقد انتهيت من الرواية مغتبطاً، وممتناً لصديقي على الإهداء الكريم، وعلى المتعة السردية التي رافقتني في أول أسابيع رمضان. عنوان الرواية (زهران الذي هوى)، وقد صدرت في العام 2021. قصة زهران، شخصية الرواية الرئيسة، تستحق أن تحكى. ونهايته تبعث على الأسى. حلمٌ عربي مؤجل للأبد. زهران
حضر امرؤ القيس للرياض، وكان مهرجان.. نعم كان مهرجاناً بالفعل، ذلك الذي نظمته وزارة الثقافة بعنوان (امرؤ القيس: شاعر الغزل) في محافظة الدرعية 2030، ضمن مبادرات “عام الشعر العربي 2023″. الجو العليل يبشر بموسم مدهش في عاصمة المملكة، والدرعية؛ درعية التاريخ، تستقبل بطلاً من أبطال التاريخ؛ ملكاً ضليلاً، وشاعراً ملأ الزمان صهيلاً. الإشارة الأولى والأجمل؛ شباب وشابات من أبناء الوطن، طيور بهجة، يملؤون القلب والخاطر، سهيل، وهند، ومرام، وأحمد، وآخرون آخرون. يستقبلون، ويرتبون، ويرحبون، وينظمون، ويصرخون
ولقاء الكتب، لقاء عشاق، أمعنوا في حديث الأشواق.. عشاق لا ينتظرون موعداً للقاء، بل ينتهزون الفرص النادرة، والأعين السادرة. لكن الفرصة التي أعنيها لقاء الأصدقاء والصديقات، أصدقاء الغواية، ورفاق النضال؛ نضال الكلمة، نضال الروح، ونضال السنين التي أكلت ذكرياتنا في طياتها. معرض الرياض فرصة سنوية سانحة، ومحطة لافتة من محطات العمر. الدكتور عبدالله السفياني؛ نموذج مهم وجميل في الثقافة العربية، قابلته أول مرة في ممر بمعرض الرياض قبل سنين. لا أذكر كم بالضبط، لعلها عشرة أعوام، وربما كانت أكثر. عرفت
انتهيت مؤخراً من رواية (جرما الترجمان) للدكتور محمد حسن علوان، وليتني لم أفعل. فهي من تلك الروايات التي تتمنى ألا تصل لنهايتها، لكنك تصل. (هذه الجدلية الجميلة بين عدم قدرتك أن تترك كتاباً، وخوفك من أن تنهيه، ليست جديدة على القراء، وهي واحدة من نعم القراءة الكثيرة). نعمة القراءة تقابلها نعمة الترجمة التي بدت تفاحة الجنة لجرمانوس، الشخصية الرئيسة في الرواية، ذلك المسيحي الحلبي الذي وجد نفسه يجوب مدن العالم راغماً، لأنه موهوب في تعلّم اللغات. وهي موهبة قفزت به سريعاً، واختصرت له طريق المجد، ليصبح
بين يديّ كتاب (بنية الحوار في مسرحيات رجاء عالم)، للدكتورة هدى الشمري. وهو كتابٌ تعرّفت على موضوعه بالصدفة؛ كنت مع ناقدنا الملهم د. سعيد السريحي، في رحلةٍ شيقة من رحلاتنا، نتحدّث عن رجاء عالم، لا أعلم ما الذي أحضرها لحديثنا، هي -عموماً- تحضر كثيراً، وكان الحديث عن تلك الرؤية المختلفة التي تقدمها في رواياتها ومسرحياتها، حين أخبرني السريحي أن هدى اتصلت تخبره أنها اختارت مسرحيات رجاء عالم موضوعاً لدراستها في الدكتوراة، طالبةً مساعدته للوصول إلى بعض مسرحيات رجاء عالم، تلك التي لم تنشر أو لم تعد
يومان في حائل، قضيناهما نشهد افتتاح جمعية الأدب، ونناقش قضايا الأدب في ملتقى كتّابه؛ حوار نقدي، وشعر وقصة وموسيقى، وشعر شعبي كذلك، من الجميل أن يدخل الشعر الشعبي أخيراً لملتقى من هذا النوع. كان التنظيم جميلاً كالعادة، حائل كانت مضيافةَ القلب والخاطر كعادتها، هذه التراحيب والحفاوة التي تحف الزائر منذ يهبط فيها علامة حائلية براقة، في المطار ونحن نغادر، كان الحائليون يتحسرون لذهابنا، ويعتذرون عن التقصير، وأي تقصير إلا الجود الفائض من القلوب! الملاحظة الوحيدة في هذا الشأن ليست لحائل، بل لمنظمي
أنظر لساعة جوالي؛ إنها الخامسة.. أبتسمُ، وأتذكر أن علي مكي، صديقنا الصحفي النشيط، عزَمنا على الغداء اليوم.. لعله نسي، ولعلنا نسينا أيضاً.. كان الإنترنت أحد مشاكلنا؛ كنا في تونس، في مهرجان الشعر، حشد من المثقفين والنقاد والشعراء.. وأراد علي مكي أن يجمعنا في مطعم شهي الطعام والإطلالة. رسالة خاصة في تويتر؛ علي يذكّرنا بالغداء، ويطلب مني تذكير سعيد السريحي.. أذكّره بغداء مضى على موعده ثلاث ساعات! كنا على شرفة زرقاءِ الروح في سيدي بو سعيد، ولاحظت أن السريحي، قبل بساعتين، طلب الغداء، غداءَ الفندق،