أخيرة

قيادات تصنع الفارق وتغادر المشهد .. النجاح أحيانا بوابة للتدوير

قيادات تصنع الفارق وتغادر المشهد .. النجاح أحيانا بوابة للتدوير
بعيدًا عن الوهج الإعلامي والفلاشات تبرز بين حين وآخر قيادات مرموقة تفرض حضورها منذ الوهلة الأولى من خلال الأفكار والرؤية وحسن التنظيم ودقة المتابعة والقدرة على التطوير وإحداث الفارق في الميدان وهي قيادات لا تجعل من الظهور الإعلامي معيارًا لنجاحها ولا تبحث عن التصفيق بقدر ما تبحث عن النتائج وتتعامل مع المنصب باعتباره مسؤولية وفرصة لصناعة أثر حقيقي.
تبدأ هذه القيادات عادة بمراجعة الملفات وترتيب الأولويات وتشخيص مكامن الخلل ثم تنطلق في معالجة الملاحظات ورفع مستوى الأداء وتحويل الأفكار إلى برامج ومبادرات ومشاريع ملموسة ومع مرور الوقت تظهر النتائج وتتغير بعض التفاصيل ويتحسن الأداء وتتضح ملامح التطوير ويصبح اسم القيادي مرتبطًا بالإنجاز والمتابعة والحضور الفعلي في الميدان أكثر من ارتباطه بالتصريحات والصور.

لكن اللافت أن بعض هذه القيادات وبعد أن تحقق نجاحات واضحة وتبني سجلًا من الإنجازات تجد نفسها فجأة خارج المشهد القيادي إما بالنقل إلى مواقع أخرى أو بالتدوير إلى مهام بعيدة عن دائرة القرار أو بإسناد مسؤوليات لا تتناسب مع حجم الخبرة التي راكمتها خلال سنوات عملها وهو ما يفتح باب التساؤلات حول أسباب مثل هذه التحولات وما إذا كانت تأتي ضمن دورة طبيعية للتغيير الإداري أم أن هناك عوامل أخرى قد لا تكون ظاهرة للمتابع.
ويرى متابعون أن التغيير والتدوير الإداري أمر طبيعي في المؤسسات التي تبحث عن التجديد والاستفادة من الخبرات ومنح الفرصة لقيادات جديدة كما أن انتقال القيادي الناجح إلى موقع آخر قد يكون في بعض الحالات استثمارًا حقيقيًا لخبرته وقدرته على التطوير خصوصًا إذا كان الموقع الجديد أكثر احتياجًا إلى خبراته وإمكاناته إلا أن الإشكالية تظهر عندما تبتعد القيادة الناجحة عن مواقع التأثير دون أن يكون واضحًا ما إذا كانت المؤسسة قد استفادت فعليًا من تجربتها السابقة.

وفي المقابل يرى آخرون أن القيادي الناجح والنشط قد يكون أحيانًا أكثر إزعاجًا من غيره ليس بسبب قصور في الأداء وإنما لأنه لا يكتفي بما هو موجود ولا يتعامل مع النقص باعتباره أمرًا واقعًا فهو يطالب بالكوادر ويبحث عن الإمكانات ويرفع سقف التوقعات ويطالب بسرعة الإنجاز ويفتح الملفات المؤجلة ويسعى إلى معالجة المشكلات من جذورها بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
فالقيادي الذي يريد أن يحقق نتائج أكبر يحتاج بالضرورة إلى أدوات أكبر ودعم مستمر وموارد بشرية مؤهلة وإمكانات تساعده على تنفيذ الخطط وتحويل الطموحات إلى واقع وهو ما يجعل كثرة المطالب في بعض الأحيان انعكاسًا لطموح التطوير وليس بحثًا عن امتيازات أو مكاسب شخصية ومن هنا تظهر مفارقة تستحق التأمل وهي أن القيادي الذي يحقق النجاح قد يكون هو نفسه الأكثر مطالبة بالمزيد من الأدوات التي تمكنه من تحقيق نجاح أكبر.
كما أن بعض القيادات بطبيعتها لا تقبل بقاء الملفات كما هي ولا تتردد في الإشارة إلى مكامن الخلل أو المطالبة بمعالجة أوجه القصور وهو ما يجعلها أكثر احتكاكًا بالتحديات وأكثر حضورًا في الملفات التي تحتاج إلى قرارات ودعم ومتابعة مستمرة وقد ينظر البعض إلى هذا النشاط باعتباره مصدر ضغط بينما يراه آخرون أحد أهم أسباب نجاح المسؤول وقدرته على إحداث التغيير.
والتدوير الإداري في حد ذاته ليس مشكلة بل قد يكون وسيلة مهمة لإعادة توزيع الخبرات والاستفادة من الكفاءات في مواقع مختلفة لكن نجاح التدوير يعتمد على الهدف منه وعلى مدى الاستفادة من خبرة القيادي في الموقع الجديد فالقيادة الناجحة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد اسم ينتقل من موقع إلى آخر دون أن تستثمر المؤسسة تجربته ومعرفته وقدرته على التطوير.
فالخبرة القيادية ليست مسمى وظيفيًا يمكن تغييره بقرار إداري وإنما هي تراكم من المعرفة والتجربة وفهم الميدان والقدرة على التعامل مع التفاصيل واتخاذ القرار وبناء الفرق وهذه العناصر لا يمكن اكتسابها بسرعة ولا يمكن اختزالها في أوراق أو تقارير ولذلك فإن خسارة القيادي الناجح لا تعني بالضرورة خسارة شخص واحد وإنما قد تعني فقدان تجربة كاملة إذا لم يتم توثيقها والاستفادة منها والبناء عليها.
والمؤسسات الناجحة لا تربط إنجازها بشخص واحد لكنها في الوقت ذاته لا تهدر ما تحقق على يديه فالتغيير الحقيقي لا يعني إلغاء المرحلة السابقة ولا يبدأ من الصفر وإنما يقوم على تقييم ما تحقق والاستفادة من النجاحات ومعالجة جوانب القصور ثم البناء عليها ولهذا فإن انتقال المسؤول يجب ألا يعني اختفاء تجربته من ذاكرة المؤسسة بل ينبغي أن تبقى المشاريع التي أطلقها والإجراءات التي طورها والكوادر التي بناها والخبرات التي اكتسبها جزءًا من العمل المؤسسي المستمر.
وفي النهاية فإن القيادات لا ينبغي أن تقاس بطول بقائها في المنصب ولا بحجم ظهورها الإعلامي وإنما بما حققته على الأرض وبما تركته من أثر بعد مغادرتها فالمنصب مرحلة والتكليف فترة والتدوير قرار إداري أما الإنجاز فهو السجل الذي يبقى شاهدًا على التجربة.
وقد يكون القيادي الذي يغادر موقعه قد أدى مهمته بنجاح كامل إذا ترك وراءه مؤسسة أكثر تنظيمًا وأداءً وكفاءة مما كانت عليه عند استلامه وقد يكون انتقاله إلى موقع آخر فرصة للاستفادة من خبرته في مساحة أوسع لكن المهم أن يكون معيار التقييم واضحًا وأن تكون القرارات مبنية على قراءة موضوعية للنتائج والإنجازات لا على الانطباعات أو الحضور الإعلامي.

فالفلاشات تنطفئ والصور تتغير والأسماء تتبدل والمناصب تنتقل من شخص إلى آخر لكن الأثر الحقيقي لا يختفي بمجرد مغادرة المكتب ولذلك فإن السؤال الذي يستحق التأمل ليس لماذا غادر هذا القيادي أو ذاك وإنما ماذا ترك خلفه وماذا قدم خلال فترة مسؤوليته وهل استفادت المؤسسة من تجربته وهل كان التغيير خطوة نحو تطوير أكبر أم مجرد تغيير في الأسماء.
وفي زمن تتسارع فيه حركة التغيير وتدوير القيادات تبقى المؤسسات بحاجة إلى قراءة أكثر عمقًا لمفهوم النجاح وإلى معايير واضحة تحفظ الخبرات وتكافئ الإنجاز وتستفيد من القيادات التي أثبتت قدرتها على صناعة الفرق لأن النجاح الحقيقي لا تصنعه الفلاشات ولا العناوين وإنما تصنعه النتائج التي يراها الناس في الميدان.
وقد يغادر القيادي مكتبه وينتهي تكليفه وتتغير صفته الوظيفية لكنه إذا ترك خلفه عملًا منظمًا وفكرة ناجحة ومشروعًا مستمرًا وفريقًا قادرًا على مواصلة الطريق فإنه في الحقيقة لم يغادر المشهد وإنما ترك أثرًا يتحدث عنه بعد غيابه فالمنصب ينتهي والقيادة تتغير أما الأثر فيبقى.

أخبار ذات صلة

القبول الجامعي.. حين يصبح مقعد الدراسة بداية الغربة.. حكاية تتكرر كل عام
القبول الجامعي.. حين يصبح مقعد الدراسة بداية الغربة.. حكاية تتكرر كل عام
«الفنانين السوريين» تدعو فضل شاكر لحفل في دمشق
«الفنانين السوريين» تدعو فضل شاكر لحفل في دمشق
أب يترك طفله على جبل بركاني بارتفاع 3776 م
أب يترك طفله على جبل بركاني بارتفاع 3776 م
موجات حر فرنسا المتكررة تزهق أرواح 300 شخص غرقًا
موجات حر فرنسا المتكررة تزهق أرواح 300 شخص غرقًا
;
جامعة نجران تحصد 3 جوائز و7 ميداليات ذهبية و4 فضية في الاختراعات
جامعة نجران تحصد 3 جوائز و7 ميداليات ذهبية و4 فضية في الاختراعات
بلاغ رقابي يقود أمانة جدة لضبط مستودع مخالف لمنتجات التبغ بالقرينية
بلاغ رقابي يقود أمانة جدة لضبط مستودع مخالف لمنتجات التبغ بالقرينية
محافظ الأحساء يهنئ الطلاب والطالبات بمناسبة انطلاق العام الدراسي الجديد
محافظ الأحساء يهنئ الطلاب والطالبات بمناسبة انطلاق العام الدراسي الجديد
التحالف الإسلامي يطلق “إعلاميو السلام” في مقديشو
التحالف الإسلامي يطلق “إعلاميو السلام” في مقديشو
;
«موهبة» تؤهل 259 طالبًا وطالبةً للأولمبيادات الدولية
«موهبة» تؤهل 259 طالبًا وطالبةً للأولمبيادات الدولية
حقائب على الأبواب.. المدارس تستقبل عامًا دراسيًا جديدًا
حقائب على الأبواب.. المدارس تستقبل عامًا دراسيًا جديدًا
ثلاثة مشاهد في أسبوع.. تؤكد حين يصبح الغريب واحدًا من أهل الدار
ثلاثة مشاهد في أسبوع.. تؤكد حين يصبح الغريب واحدًا من أهل الدار
امانة الشرقية تحتفي باليوم العالمي للعمل الإنساني
امانة الشرقية تحتفي باليوم العالمي للعمل الإنساني
;
جيل جديد يخطو يوم الأحد أولى خطواته نحو المجد.. فماذا أعددنا له؟
جيل جديد يخطو يوم الأحد أولى خطواته نحو المجد.. فماذا أعددنا له؟
سوق الجمعة الأسبوعي للطيور والأرانب في الخرمة.. إقبال متزايد يجمع المربين والباحثين عن الطيور
سوق الجمعة الأسبوعي للطيور والأرانب في الخرمة.. إقبال متزايد يجمع المربين والباحثين عن الطيور
أمانة الشرقية تهيئ أبناء منسوبيها للعام الدراسي بفعالية "العودة للدراسة"
أمانة الشرقية تهيئ أبناء منسوبيها للعام الدراسي بفعالية "العودة للدراسة"
من التواد والتراحم إلى الصمت والقطيعة.. العلاقات الاجتماعية تبحث عن الدفء المفقود
من التواد والتراحم إلى الصمت والقطيعة.. العلاقات الاجتماعية تبحث عن الدفء المفقود