كتاب

ماكينة القهوة

د. أحمد أسعد خليل 03 نوفمبر 2026 00:09 3 دقائق قراءة
عندما يُذكر أو تُشاهد أو حتى تتخيَّل ماكينة القهوة، ما الذي يتبادر إلى ذهنك في أول لحظة؟!.
في الكتب الأكاديمية السميكة للإدارة، يُصوَّر الهيكل التنظيمي للمؤسسة على أنه هرم هندسي دقيق، تنتقل فيه القرارات الإستراتيجية -بانسجامٍ تام- من رأس الهرم المتمثل وصولاً إلى القاعدة العريضة للموظفين، لكن من قضى ولو أسبوعاً واحداً في ممر شركة بائسة، يعلم يقيناً أن هذا الهرم الهندسي ليس سوى أضحوكة؛ فالشركة الحقيقية لا تُدار في قاعات الاجتماعات الفاخرة، ولا تُصاغ قراراتها المصيرية على طاولات الخشب المصقول، بل تُصنع سراً وتُتبادل أطرافها بجانب جهاز إعداد القهوة المتهالك في الزاوية المظلمة من الطابق الثاني.
تلك الزاوية الضيقة، التي تفوح منها رائحة القهوة المحروقة؛ وأحاديث التذمَّر المكبوت، هي القناة الحقيقية للمؤسسة والدائرة الاستشارية العليا التي لا تظهر في الهياكل التنظيمية، فهناك، وبصوتٍ خفيض يُشبه الهمس، تتسرَّب أسرار الشركة، وتُوزَّع المناصب قبل صدور تعاميمها بشهرٍ كامل، ويُحاكَم المديرون في محاكمات شعبية سريعة لا تقبل الاستئناف. الموظف الذي لا يرتاد ركن القهوة بانتظام هو شخص معزول تماماً عن الواقع، يعيش في كوكب إداري آخر، يقرأ القرارات الرسمية بفزع، وكأنه نزل للتو من كوكب المريخ.
إن سيكولوجية الثرثرة عند ماكينة القهوة تقوم على قاعدة فيزيائية إدارية معكوسة، كلما قل حجم الكأس، زادت خطورة المعلومة، يقف الموظف حاملاً قدحاً بلاستيكياً صغيراً، بينما يميل زميله ليقول بصوتٍ محذّر، هل سمعت ما حدث في اجتماع الإدارة أمس؟ فالمدير العام غاضب لأن المؤشرات حمراء، وهناك نية لتسريح نصف القسم، تبدأ الشائعة رحلتها الصاروخية؛ فتنتقل من ركن القهوة إلى قسم المحاسبة في ثلاث دقائق، وتمر عبر شؤون الموظفين في خمس دقائق، وتصل إلى مكتب المدير نفسه وقد تحولت إلى مؤامرة كونية لإسقاط الشركة في غضون ساعة واحدة.
المثير للضحك حقاً هو كيف تتعامل الإدارة مع هذه القنوات الخفية، فالمديرون الذين يُنفقون مئات الآلاف على استطلاعات الرأي الغبية؛ وورش العمل المكعبة لاستكشاف نبض الموظفين، يعجزون تماماً عن فهم أن النبض الحقيقي للمؤسسة ينبض بصوتٍ مرتفع بجانب مواقع القهوة، بل إن بعض المديرين الأذكياء يضطرون للتسلل خلسة إلى قرب ماكينة القهوة، متظاهرين برغبتهم في ملء أكوابهم، فقط لالتقاط شظايا الأحاديث، والتعرف على القرارات الحقيقية التي تُتخذ ضدهم من قِبل مرؤوسيهم.
تظل ماكينة القهوة الشاهد الوحيد والنزيه على عبثية العمل المؤسسي؛ فهي تجمع النقيضين، الموظف المقهور الذي يبحث عن جرعة كافيين تُنسيه مرارة العمل، والمدير المرعوب الذي يخشى أن تفوته وشاية أو مؤامرة تُحاك ضده، وبينما تتساقط قطرات القهوة ببطءٍ قاتل، تستمر عجلة الشركة في الدوران على وقع الشائعات والثرثرة، مثبتة أن البشر مهما لبسوا من بدلات أنيقة وكتبوا من إستراتيجيات، يظلون أطفالاً كباراً قد يجتمعون حول ماكينة القهوة ليتبادلوا القصص أو ينسجوا المكائد.

أخبار ذات صلة