كتاب

بين التسويف والنسيان

نبيلة حسني محجوب 03 نوفمبر 2026 23:35 4 دقائق قراءة
أعرفُ أنَّ الإنسان يستطيعُ بشيءٍ من الإرادة والعزيمة أنْ يتغلَّب على كثيرٍ من عاداته السلبيَّة، إنْ لم يستطع التخلُّص منها جميعًا، خاصَّةً تلك العادات التي لا يقتصرُ أثرُها عليه وحده، بل تمتدُّ لتفتح مسافاتٍ غير مرئيَّة بينه وبين الآخرين، وتترك في نفسه شعورًا بالذَّنب لا يعرفُ كيف يتخلَّص منه.
ولعلَّ رفوف المكتبات، وما تزدحمُ به منصَّاتُ التَّواصل من كتب تطوير الذَّات، ودورات إدارة الوقت وفنون التَّواصل، تُقدِّم لنا عشرات الوصفات للتخلُّص من العادات السلبيَّة، وتُعلِّمنا كيف نُرتِّب أولويَّاتنا، وننجز أعمالنا، ونحافظ على علاقاتنا الإنسانيَّة. نقرأُ ونتحمَّسُ، وربَّما نعقدُ العزمَ على تغييرٍ جذريٍّ في حياتنا، لكنَّ الحماس قد يكون ضيفًا عابرًا، لا يلبث أنْ يغادرنا تاركًا وراءه قراراتٍ مؤجَّلةً، ونوايا طيِّبة تتربَّصُ بها آفتَان لا ترحمَان: التَّسويف والنِّسيان.
ولأعترف منذ البداية بأنَّني واحدة من ضحايا هاتين الآفتين، اللتين قررت أنْ أفتك بهما في هذه المقالة، بتشريحهما على الملأ، لعل فضحهما أمام القراء يدفعهما إلى الانصراف عني، أو -على الأقل- إلى التخفيف من وطأة حضورهما في حياتي!.
تُراودنِي كثيرًا رغبةٌ صادقةٌ في الاتصال بصديقةٍ عزيزةٍ، لا لسببٍ سوى الاطمئنان عليها، وسماع صوتها. وقد تشتدُّ هذه الرغبة حين أضعُ رأسي على الوسادة، فتتزاحمُ في ذاكرتي وجوهُ صديقاتٍ غابت أصواتُهنَّ، وأقول لنفسي: غدًا سأتَّصل بها دون تأخيرٍ. يأتي الغدُ محمَّلًا بانشغالاتِهِ، وتبدأ هجمة النِّسيان، حتى إذا تذكَّرتُها كنتُ في اجتماعٍ، أو وسط عمل لا يحتمل المقاطعة، أو في ساعةٍ متأخِّرةٍ لا تسمح بالاتِّصال. فأعيدُ الوعدَ إلى الغد، ويأتي غدٌ آخرُ، ثمَّ آخرُ، حتى تتحوَّل الرغبة البسيطة في السؤال، إلى عبءٍ نفسيٍّ ثقيلٍ، وأشعرُ أنَّ المسافة بيننا اتَّسعت؛ دون أنْ يكون هناك سببٌ حقيقيٌّ لهذا البُعد.
والأغربُ أنَّني لا أنسى الصَّديقة نفسها، ولا تغيبُ محبَّتُها عن قلبي، وإنَّما أنسى الفعلَ الصَّغيرَ الذي يترجمُ تلك المحبَّة. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فقد نظنُّ أنَّ مشاعرنا الطَّيبة تكفِي، بينما يحتاجُ الآخرُون -أحيانًا- إلى مكالمةٍ قصيرةٍ، أو رسالةٍ عابرةٍ تُخبرهم بأنَّهم ما زالوا في الذاكرة.
وثمَّة موقفٌ آخرُ يتكرَّر معي، ويضعنِي في حرجٍ لا يقلُّ عن سابقه. حين يهديني كاتبٌ أو كاتبةٌ إصدارًا جديدًا، أرى في عينيه فرحة الإنجاز، وأعرفُ مقدار الجهد والوقت اللَّذين استغرقهما ميلاد ذلك الكتاب. أتصفَّحه بحماسٍ، وأعقدُ النيَّة على تصوير غلافه، وكتابة كلماتٍ تعريفيَّةٍ عنه في إحدى قنوات التَّواصل، مشاركةً لصاحبه فرحته، وتقديرًا لجهدِه. لكنَّ الكتاب يستقرُّ على مكتبِي، وتستقرُّ معه النيَّة الطَّيبة في مكان ما من ذاكرتِي، إلى أنْ أُفاجأ بمن تلقى الكتاب نفسه، وقد سبقني إلى نشر صورتِهِ والتَّعريف به.
عندها أشعرُ بأنَّني أُسقط في يدي، وأنَّ المبادرة التي كنتُ أريدها تعبيرًا تلقائيًّا عن التقدير، قد فقدت شيئًا من وهجها، بل أخشى أنْ تبدو محاولتي المتأخِّرة مجرَّد تقليدٍ لما فعله الآخرُون. فأؤجِّل النشر مرَّة أُخْرى، وكأنَّني أعاقبُ نفسي على التَّأخير بمزيدٍ من التأخير!.
والمفارقة أنَّ التَّسويف والنِّسيان لا يعمَلان دائمًا منفصلَين، فالأوَّلُ يفتحُ البابَ للثَّانِي، والثَّانِي يمنحُ الأوَّلَ عُذرًا جديدًا للاستمرار. وبينهما تضيعُ فرصٌ صغيرةٌ كان يمكن أنْ تصنع بهجةً كبيرةً، أو تحفظ مودَّةً، أو تمنح إنسانًا شعورًا بالتَّقدير.
قد يقول قائلٌ إنَّ ازدحام الحياة، وكثرة المسؤوليَّات، وتدفُّق الرسائل والمواعيد، تجعل النسيان أمرًا طبيعيًّا، وهذا صحيح إلى حدٍّ بعيدٍ، لكنَّ المشكلة تبدأ حين يتحوَّل التأجيل إلى عادةٍ، وحين نطمئن إلى أنَّ النوايا الحسنة ستتكفَّل وحدها بما ينبغي علينا فعله.
ولستُ هنا بصدد تقديم وصفةٍ جديدةٍ لإدارة الوقت، فالوصفاتُ أكثر من أنْ تُحصَى، وما ينقصُنا -في الغالب- ليس المعرفة بما ينبغي فعله، وإنَّما الانتقال من النيَّة إلى الفعل، قبل أنْ تبردَ حرارةُ الرَّغبة، وقبل أنْ يتسلل النِّسيانُ من الباب الذي فتحه التَّسويفُ.
وأظنُّ أنَّني بعد هذا الاعتراف العلنيِّ أصبحتُ مطالبةً بأنْ أبدأ بنفسي، وأنْ أتصلَ بتلك الصديقة التي تنتظر في قائمة نواياي، وأنْ ألتقط صورة الكتاب الذي ما زال على مكتبِي.
فالعلاقاتُ الإنسانيَّةُ لا تعيشُ بالنوايا الطيِّبة وحدها، والمحبَّة التي لا تجد طريقها إلى التَّعبير قد تبدُو، رغم صدقها، شبيهةً بالغياب.
أمَّا التَّسويفُ والنِّسيانُ، فأخشى أنْ يكونا -الآن- يبتسمَان ساخرَينِ، وهُما ينتظرَان أنْ أُؤجِّل تنفيذَ ما كتبتُه إلى الغدِ!.

أخبار ذات صلة