في بخارى، قذفَ حاخامٌ مسنٌّ قطعةَ خبزٍ عبر المائدة. كنتُ برفقةِ زوجتي وابنِنا السيِّد أحمد زيني دحلان، في رحلةٍ إلى أوزبكستان، مع نخبةٍ من روَّاد الحوار بين الأديان من كامبريدج. وراء الحركة تقليدٌ يهوديٌّ قديمٌ، لكنَّ المشهد حمل مفارقةً معاصرة: بعض المشاركِين جاءُوا متوجِّسين يبحثُون عن مظاهر معاداةِ الساميَّة بين المسلمِين، فلم يجدُوا في لقاءاتِنَا سوى الحفاوةِ. وفي أنحاء العالم، باتَ التَّمييزُ ضدَّ العربِ والمسلمِينَ واقعًا يوميًّا، حتَّى أصبح انتماؤهم نفسه موضعَ مساءلةٍ.
وفي عالمٍ تتعثَّرُ فيه الديمقراطيَّاتُ أمام سؤال المساواة، أصبحت الهُويَّة الإسلاميَّة والعربيَّة موضوعًا في السجال الانتخابيِّ الأمريكيِّ، وفي أعلى المنابر، بينما قد تحملُ أصواتُ العربِ في إسرائيل مفتاحَ الخروج من مأزقٍ برلمانيٍّ، وربَّما إقليميٍّ، مع بقاء مشاركتهم في الحُكم موضع خلاف.
نظرتُ إلى ابني. ما أشقّ أنْ نطلبَ من أبنائنا التمسُّك بقيمٍ يبدُو العالم مستعدًّا للتخلِّي عنها، ولا سيَّما حين تصبح هُويَّتهم نفسها موضع محاكمةٍ مستمرَّةٍ. لكنَّه لم يكن بحاجةٍ إلى وصيَّةٍ. كان هادئًا، واثقًا، يعرفُ مَن يكون؟ ويعرف القافلةَ مِن أينَ أتتْ، وإلى أينَ تسيرُ؟
جئتُ إلى طاشكند، وبخارى أبحثُ عن «فصلةٍ» من ضجيجِ الحاضر، وصواريخ الواقع، عن سحر طريق الحرير، وقوافلِه، وقبابهِ الفيروزيَّة، وملتقى اللُّغات والعقائد. فإذا بِي أعيدُ النَّظر في جغرافيا الحضارة نفسها.
سمَّاها العربُ بلاد «ما وراء النَّهر». لم تكنْ بخارى وسمرقند هامشًا ينتظر أنْ يُكتشف، بل كانتا في قلب عالمٍ فكريٍّ يمتدُّ من الصينِ والهندِ إلى الجزيرة العربيّة وأوروبا. رسمنا الخريطة من ضفتنا، وظنَّنَا أنَّ العالم يبدأ منها.
وعادت القافلةُ أمامي، تحملُ ما هو أبقى من الحرير: الإمام البخاري، الذِي جعل التثبُّت من الرِّواية علمًا دقيقًا، والماتريدي، الذي بحث في علاقة الإيمان بالعقل والمسؤوليَّة، والخوارزمي، الذي بقي اسمُه حيًّا في كلِّ خوارزميَّة، وابن سينا، الذي عبرَ طبُّه وفكرُه القارات، والبيروني، الذي سعى إلى فهمِ الهند من داخل علومِها وثقافتِها، وأولوغ بيك، الذي رسم خرائط السَّماء من سمرقند.
وعلى هذه الدروب، نقش مشايخُ السلسلةِ الذهبيَّة أثرَهم في بخارى، وانتشرَ الورقُ السمرقنديُّ حاملًا المعرفة إلى ما وراء مواطنها الأُولى. فقبل الثورة الرقميَّة بقرونٍ، عرف الإنسانُ ثورةً أُخْرى في حفظ العلم وتداوله.
تلك هي الحضارةُ العربيَّة الإسلاميَّة في أوسع آفاقها: فضاءٌ معرفيٌّ شارك في بنائِه العربُ، والفرسُ، والتركُ، وغيرهم. لم تكن قوَّتها في نقاءٍ عرقيٍّ، أو انغلاقٍ ثقافيٍّ، بل في قدرتها على استقبال المعرفة ومساءلتها وتطويرها، ثمَّ إعادتها إلى الإنسانيَّة.
وأمام هذا الامتداد الحضاريِّ، تبدُو خطابات التمييز المعاصرة ضئيلةً إلى حدٍّ يدعُو إلى الدَّهشة. فأنْ نردَّ على كلِّ إساءةٍ بقائمةٍ من الاكتشافات والعلماء وجوائز نوبل، يعني أنْ نقبلَ بأنَّ على حضارةٍ كاملة أنْ تقدِّم أوراق اعتمادها كلَّما شكَّك أحدٌ في قيمتها.
والقافلة لا تتوقَّفُ عند مَن ينكر أنَّها مرَّت.
ولم تكن رحلتها بلا انقطاع. اجتاح المغولُ هذه الحواضر، وتعاقبت الإمبراطوريَّاتُ، ثمَّ جاء الحكمُ السوفيتيُّ بالتَّعليم والصناعة والتَّحديث، لكنَّه فرض أيضًا قيودًا ثقيلةً على المؤسسات الدينيَّة والثقافة وصلات المنطقة بامتدادِها الحضاريِّ. ضاع الكثيرُ، لكنَّ الإرث بقي.
وفي بخارى، خطر لي أنَّنا نقفُ اليوم أمام انقطاعٍ جديد، أقلّ ظهورًا، وربَّما أعمق أثرًا.
فالذكاء الاصطناعي يتحوَّل إلى وسيطٍ تُنظَّم من خلاله المعرفة الإنسانيَّة، وتُفسَّر وتُعَاد صياغتها. وإذا انحصرت بنيته في لغاتٍ وتواريخَ وتقاليدَ فكريَّةٍ محدودة، فقد تتحوَّل حضاراتٌ بأكملِها من صانعةٍ للمعرفةِ إلى مجرَّد مادةٍٍ تتحدَّث عنها الآلةُ.
لهذا نحتاج إلى منظومة دولية للذكاء الاصطناعي (International AI Stack)، تحمي التعدُّد الثقافي والمعرفي. ليست تكتلًا ثالثًا ينافس أمريكا، أو الصين، ولا شعارًا للسيادة التقنيَّة، بل مشروعًا ثقافيًّا تشارك فيه الحضاراتُ في بناء الأنظمة التي ستفسِّر تاريخها، وتحفظ لغاتها، وتنقل معارفها، بنماذج متعدِّدة اللُّغات، وبنية حوسبيَّة متاحة، ومصادر معرفيَّة متنوِّعة، ومؤسَّسات مسؤولة أمام الإنسانيَّة، لا أمام حفنةٍ من القوى التقنيَّة. فالخطرُ ليس أنْ تتعلَّم الآلةُ التفكيرَ، بل أنْ تعتاد البشريَّةُ رُؤية نفسها بعينٍ واحدةٍ.
وعدتُ بفكري إلى قطعةِ الخبز الطَّائرة التي عبرت المائدة في بخارى. بدت الحركةُ طريفةً، لكنَّها حملت حقيقةً أقدم من صراعاتِنا السياسيَّة: يستطيعُ البشرُ أنْ يتقاسمُوا المائدة دون أنْ يُطلبَ منهم أنْ يصبحُوا نسخةً واحدةً.
فأعظم ما نورِّثه أبناءَنا ليس واجبًا أبديًّا بالدِّفاع عن هُويتهم، بل الثقة بالله، ثم بأنفسهم، التي تمكِّنهم من حمل ذلك الإرث إلى المستقبل، بلا مرارةٍ ولا اعتذارٍ ولا شعورٍ بأنَّهم ضحيَّةٌ.
والقافلةُ تسيرُ.
وما وراءَ النهرِ ليسَ مجرَّد موضعٍ في الماضي، لا يزالُ أفقًا من آفاقِ المَسيرِ.
الضبطُ يبدأُ في الطريفِ... وفِي العالمِ يُختَبَر.