ليست مكَّة المكرَّمة مدينةً تُقَاس منزلتُها باتِّساع عمرانِها، أو عراقة تاريخِها فحسبْ؛ إنَّها موطنُ الوحي، ومهوَى أفئدةِ المؤمنِين، والبلدُ الذي تتعلَّق به الأرواحُ قبل أنْ تطأَه الأقدامُ. وفي جوارِ البيتِ العتيقِ معنى يتجاوزُ السكنَ إلى الشَّرفِ، ويتخطَّى الإقامة إلى الأنسِ بالقرب من شعيرةٍِ عظّمَها اللهُ، ومشهدٍ تتجدَّد عنده صِلةُ القلبِ بربِّه. لذلك ظلَّ المقامُ في مكَّة أمنيةً تسكنُ النفوس، ونعمةً تستحقُّ الشكر، وفرصةً يغتنمُها مَن عرف قدر المكان، وحرمة الجوار.
ومن الشواهد البليغة على تعظيم السَّلف لبركة الإقامة في مكَّة، رسالةٌ بعث بها التابعيُّ الجليلُ الحسن البصري -رحمه الله- إلى صديقه العابد الزَّاهد عبدالرحيم بن أنس الرمادي، حين بلغهُ أنَّه همَّ بالرَّحيلِ عن مكّة بعد أنْ شرَّفه اللهُ بجوارِ البيت الحرام. وقد ختمَ الحسنُ رسالته بعبارةٍ حازمةٍ تختصر غايتها: «فاغتنمْ يا أخِي هذَا الخيرَ كلَّه، وإيَّاك أنْ يفوتَكَ، والسَّلامُ».
والحسن البصري إمامٌ عُرف بسعةِ العلم، ونفاذِ البصيرةِ، والعبادةِ والزهدِ، وقد أدركَ عددًا من كبار الصَّحابة ورَوى عنهم. ونقل أبوحامد الغزالي، في وصفه ثناءً يبرز فصاحته وحكمته وقُرب هديه من هدِي الصحابةِ. لذلك جاءت رسالتُه إلى صاحبهِ مفعمةًً بالنُّصحِ، ومسنَدةً بما ساقهُ من نصوصٍ وآثارٍ في فضلِ مكَّة ومزيَّة المجاورة فيها.
وقد ذكَّره الحسن بأنَّ مكَّة ليست كسائر البقاع، فهي البلد الذي أحبَّه رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وعبَّر عن عظيم مكانته في قلبهِ، حين فارقه مُكرَهًا، فقالَ: «واللهِ إنَّك لخيرُ أرضِ اللهِ، وأحبُّ أرضِ اللهِ إلَى اللهِ، ولولَا أنِّي أُخْرجتُ منك مَا خرجتُ»؛ وقد وردت في هذا المعنى أحاديثُ صحيحةٌ بألفاظٍ متقاربةٍ.
وتُبرِز الرسالةُ كذلك معنًى عميقًا في حياة المؤمن: أنَّ قيمة العمل لا تنفصلُ عن إخلاص صاحبه، ولا عن شرفِ المكان الذي يؤدِّيه فيه، حين يثبت فضله بدليلٍ صحيحٍ. فقد حثَّ الحسن صديقَه على البقاءِ، وبيَّن له أنَّ قليلَ الكسبِ الحلالِ في مكَّة، قد يكون خيرًا من كثيرٍ يُنَال في غيرِها. ولم يكنْ مقصوده مجرَّد التعلُّق بالمكان، بل تنبيه صاحبه إلى ألَّا يفرِّط في نعمةٍ عظيمةٍ قبل أنْ يتأمَّل قدرها، وأنْ يجعل مقامه فرصةً للعبادة، والطاعةِ، وحُسن الجوارِ.
إنَّ بركة السكن في مكَّة لا تعني أنَّ المكان يغني عن العمل الصالح، بل إنَّ شرفه يضاعف مسؤوليَّة المقيم فيه: أنْ يصون حرمة البلد، ويُحسِن إلى أهله وزوَّاره، ويجعل من قربهِ من البيت الحرام باعثًا على صفاءِ القلبِ، واستقامةِ السلوكِ. فليست العِبَرة أنْ يسكن المرءُ مكَّة بجسدِهِ فحسب، وإنَّما أنْ يعمرَ أيَّامه فيها بالإيمان، ويستحضرَ حرمة المكان في قولهِ وفعلهِ، ويشكرَ الله على نعمةِ الجوارِ.
وهكذا تبقى رسالة الحسن البصري تذكرةً تتجاوزُ زمنها؛ تعلِّمنا أنَّ النِّعم الكُبرى قد تألفُها النُّفوسُ حتَّى تنسَى قدرهَا، وأنَّ من رُزق جوار البيت الحرام، فقد نالَ شرفًا عظيمًا يستحقُّ أنْ يصونَهُ بالشُّكرِ والطَّاعةِ. فطوبَى لمَن جعل من مقامهِ في مكة قربًا إلى الله، ومن سكنه فيها عبادةً وطمأنينةً وخدمةً للناس. وهنيئًا لأهل مكة شرف الانتساب إلى هذه البقعة المباركة، وجوار بيت الله العتيق؛ سائلِين اللهَ أنْ يرزقنا تعظيمَ حرمته، وحُسنَ العملِ في رحابهِ، وأنْ يديم على مكَّة أمنهَا وبركتهَا، ويجعلَها عامرةً بالإيمان والطَّاعةِ إلى يومِ الدِّينِ.