في بدايات ظهور الصحافة الورقية، وحتى ثورة وسائل التواصل الحديثة، كانت الصحف تَعني لدى القارئ في المقام الأول (الخبر)، مع أنَّها قامت أول ما قامت على (الأدب) عنايةً واهتمامًا؛ فعن طريقها يجد القارئ كمًّا وافرًا من الأخبار المحلية والعالمية، فيُشبع فضوله ونهمه، ولا يكاد ينتهي من قراءة الصحيفة أو الصحيفتين إلَّا وقد تشكَّلت لدية خارطة وافية بما دار ويدور في نطاقة المحلي، وعلى المستوى العالمي.
المؤكد هو أنَّ الصحف لم تكن وحدها سيدة الميدان؛ فكانت الإذاعة حاضرةً، وكان التلفاز حاضرًا وكان للمجلات حضورها، لكنَّ الصحف كانت تُعنى بالأخبار أكثر من رصيفاتها، وكان لها مراسلوها المتوزِّعون في أماكن كثيرة تفوق مراسلي رصيفاتها. اليوم ومع الثورة الهائلة في وسائل التواصل بأشكالها المتعددة، لم تعد الصحف هي سيدة الخبر، فالسوق مفتوحة، والكل -أفرادًا ومؤسساتٍ- يدخلها ويمارس هوايته فيها، سواء عن استحقاق أو دون استحقاق، ومن هذا المنطلق لم يعد الخبر لعبة الصحف وحدها، وعلى إثر ذلك فقدت الصحف الورقية الكثير من قرائها، وترتب على ذلك فقدها للكثير من مداخيلها الداخلة عليها من الإعلانات، وهو ما أدَّى لاختفائها -شبه الكلي- في نسختها الورقية.
هل المطلوب إذن من الصحف الورقية أنْ تتمسَّك بالخبر من أجل أنْ تعود لها فعاليتها وتنتعش ورقيًّا؟ ليس هذا هو القصد، مع أنَّني أُشاهد في وسائل التواصل أنَّ الصحف الورقية في كثر من بلدان العالم -ومنها بلدان العالم الأول- ما تزال تملأ حاملاتها في المحلات التجارية والمكتبات؛ إنما القصد هو أنْ تُؤْمن الصحف أنَّ الخبر لم يعد حصرًا عليها، ولا أعني الأخبار على مطلقها، وإنما أعني الأخبار (المشتركة والمكررة) التي تتقاسمها وسائل الإعلام والتواصل، فهذه الأخبار تفرَّق دمها في الوسائل، ولم يعد لها أب وحيد تنتسب إليه، ومن ذلك زيارات الرؤساء والمسؤولين، ومن ذلك الأخبار عن المهام المجدولة للمسؤولين سواء ما تم منها وما لم يتم، ومن ذلك الحوادث والجرائم المشاعة، ونتائج المباريات، كل هذه الأخبار أصبحت مشاعةً وفي كل الوسائل، ولذلك فلا تميز فيها لوسيلة عن أخرى إلَّا بقدر ما يتلوها من قراءة أو تعليق.
لعبة الصحف اليوم تتمثل في التحليل لما قبل الحدث، وما وراء الخبر، لعبتها في التقارير والتحقيقات الصحفية النوعية من ميادين الحدث ومواقع العمل، لعبتها في الرأي الجاد والنقد الهادف من خلال مقالات كُتَّابها وقُرَّائها، لعبتها في كشف مَواطن الخلل لدى الجهات الخدمية -إن وُجِدت- بموضوعية تامة، لعبتها في متابعة بعض القضايا الشائكة وتتبع مساراتها وما أفضت إليه، لعبتها في عرض ما يحتاجه المواطن بكل مصداقية وحيادية، لعبتها في اشتغالها على قضايا الفكر والأدب، لعبتها في (تفرُّدها) بالخبر والسبْق الصحفي، لعبتها في حواراتها النوعية مع أسماء فاعلة، سواءً المؤثرة أو المثيرة أو البارزة، لعبتها في استثمارها ثورة الذكاء الاصطناعي وتقنياته، لعبتها في استمرارية المصداقية والموثوقية التي عُرفت بها، لعبتها في تحديثها المستمر لموقعها الإلكتروني، والعناية بمحتواه وتطبيقاته... إلخ، والأهم هو ألَّا تبقى واقفة على بوابة الخَبر وأطلاله.
وكل ذلك يُسبق بالإيمان التام بالتجديد والتغيير والتطوير في الأفكار والإمكانات والأدوات والطاقات.