بحمدِ لله وتوفيقهِ، أصبحَ الحلمُ حقيقةً، ببزوغ فجر كتابِي (كنوز إبداعيَّة في نصوص خالد الفيصل الشعريَّة)، ذلك الحلم الذي حلَّقتُ معه لأكثر من عامين في ملكوت المشاعر، والعواطف، والحسِّ الأدبيِّ المتفرِّد، والقيم الإسلاميَّة التي كانت جزءًا من مشروع سموِّه الإنسانيِّ الكبير، والذي طُبعت به قصائده. ثمَّ تلقَّيتُ رسائل التَّهاني من أحبِّ النَّاس إلى قلبِي، فكانت سلسبيلًا يروي القلبَ حُبًّا وفرحًا بالمنجز الأدبيِّ، فالدعمُ المعنويُّ يرمِّمُ الرُّوحَ، ويُعزِّز حُبَّ الحياةِ، ويمحُو بعض انكساراتِ السِّنين.
ولعلَّ من أجمل التَّهاني، تهنئة صديقةِ الحَرف والكَلمة د. لمياء باعشن، أحد أهم كُتَّاب هذه الصحيفة، والتي غاب بريقُ صوتِها مع غياب الصُّحف الورقيَّة! وهي أستاذةُ اللُّغات الأوروبيَّة في جامعة الملك عبدالعزيز، فقد أرفقت التهنئة بدراسةٍ قيِّمةٍ بعنوان: "حركيَّة المتغيِّر والثَّابت: دراسة تحليليَّة للدوران الزمنيِّ في شعر خالد الفيصل"، أجرتها للمشاركة في بحوث مجلة جامعة أُمِّ القُرَى لعلوم اللُّغات وأدبها؛ فقد أدركت مدى شغفِي لشعرِ سموِّه.
والحقيقةُ، استمتعتُ جدًّا بقراءةِ الدِّراسة؛ لما فيها من العمق الزَّمنيِّ في تفسير بعض قصائد سموِّه، وبإطار فلسفيٍّ ربطته بنظريَّات ابن خلدون في الزَّمن.. وكذلك انطلق البحثُ من الاقتناع بأنَّ الأدبَ اللَّهجويَّ، أو الأدبَ العاميَّ هو أرقَى أنواع الشِّعر؛ فالشعرُ النبطيُّ والذي تميَّز به شعرُ سموِّه، على صلةٍ وثيقةٍ بالشِّعرِ الفصيحِ، ومنذ عصر الجاهليَّة، وحتَّى يومنا هذا. وأنَّ سموَّه خرج إلى دوائر التَّجديد والابتكار في شعرِهِ؛ لأنَّ أصل الدراسة تقومُ على الزَّمن، وقد أثبتت أنَّ الخطَّ الزمنيَّ في شعر سموِّه لا يسيرُ في خطٍ مستقيمٍ للتقدُّم من الخلف للأمام، ولا في دائرة تبدأ من نقطةٍ وتنتهي إليها، بل يميلُ إلى الحركة اللولبيَّة التصاعديَّة التي تملأ في دورانها الفراغَ، وهذا يُعطي معنى التغيير الديناميكي، ودورات التجدُّد في شعرِهِ، وتحوُّلات حركة التَّاريخ.
فالحدثُ الزمنيُّ هو العلاقة الدلاليَّة على وجود الزَّمن، وأنَّه الأثر الملموسُ لفعلٍ ما. ومع ذلك فإنَّ دورات الزَّمن، ومرور الإنسان بالنموِّ التكوينيِّ، ووصوله للشيخوخةِ قد مرَّ قبلها بمراحلِ القوَّة والعمقِ في الإدراك، فالفكرة الثابتة للزَّمن هي عدم الثَّبات على حالٍ واحدٍ، وأنَّ دوراته تنمُّ عن صعود وهبوط في حركته التي تنعكسُ على أحوال البشر.
أزعمُ أنَّ إثبات هذه النظريَّة قد أخذ من الكاتبة التبحُّر في قصائدِهِ، والإتيان بما يثبتُ تلك النظريَّة، وهي كثيرة، ولا يمكن حصرُها في هذه العجالة، ولكن أُقدِّم بعض الأمثلة لها، ومنها قولُه حين ينصحُ الغافلَ بالتهيُّؤ لتقلُّبات الزَّمن:
إلَى مَن الزَّمان أقبلَ ربيعه
خذْ من زهور رياضانه لباسِ
ترَى الوقت هزّه وانقلابه
تهزُّ جبالها لوْ هِي رَوَاسي
وللتأكيد على تغيُّر الزَّمن يُوصي بالتزوُّد من رخائه لوقت الشدَّة فيقول:
انشر البسمةَ علَى وجهِ الزَّمَان
والعُمر مراحلهُ تقسَى وتلِين
وكلّ وقتٍ له ظروف وفيه شأن
والرَّجل له عقلٌ وله قلبٌ فطين
كما تؤكِّد أشعاره أنَّ تقلُّبات الزَّمان تُغيِّر ملامح الإنسان من قوةٍ إلى ضعفٍ، ومن طريق الشباب إلى الشيخوخةِ، في تطوُّر نموِّ الإنسان:
غيَّرت وجهِي تضاريسُ السِّنين
خدِّي وجفنِي مرفوعُ الجَبين
واكتسى وجهِي بياضَ الشِّيب عز
وارتقَى للرأسِ غيمُ الحالمِين
وثقلت الرِّجلين والظَّهر انحنَى
ولذت في ذاتِي معَ الصَّمت الدَّفِين
وهنا تؤكِّد الباحثة أنَّ شعرَ سموِّه يثبت أنَّه كلَّما مضت مسيرة الزَّمن بالإنسان، ازداد وعيُه بالخسرانِ والفَقْدِ، ومع ذلك فهو يرتقِي مع غيم الحالمين، ومع ثقل الرِّجلين، وحني الظَّهر، فهو في لذَّة الصَّمت الدَّفين، ومن خلال ذلك تمتلئ الحركة اللولبيَّة في الزَّمن.
كما تطرَّقت إلى الزَّمن الفرديِّ في حياته كما في قصيدة (مرني وقتي):
مرَّنِي وقتِي ولا امدانِي عليهِ
ما لحقت وَلا انتظر لَحظة أجيهِ
والسِّنين تسابقُ أيامَ الحياة
ويل مَن سُورب زمانُه مِن يديهِ
الزَّمان يقلِب فصولَ السَّنة
والخريف امتد منَّه وعادَ إليهِ
أتمنى أنْ تدرس سيرة وحياة وقصائد سمو الأمير خالد الفيصل -وهو الإداري المحنك، والأديب الشاعر، والمواطن المخلص لدينه، ثمَّ مليكه، ووطنه-؛ ليكون ملهمًا للأجيال.
كلُّ الشُّكر للصَّديقة د. لمياء باعشن، على مشاركتي لهذه الدراسة القيِّمة، التي بحمدِ للهِ أجدُ أنَّني قد تناولتُ بعض معطياتها في مؤلَّفي، وبنظرةٍ نقديَّةٍ خاصَّةٍ.