استوقفني مؤخرًا الجدل الذي شهدته الهند بشأن دخول خدمة الإنترنت الفضائي "ستارلينك"، المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، إلى سوق الاتصالات الهندية، فقد أثارت الخلافات حول شروط دخول الشركة ومنافستها للمشغلين المحليين مخاوف تتعلق بالأمن الوطني، وصلت إلى مطالبة إحدى المنظمات الهندية المؤثرة بحظر خدماتها كليًّا في الهند. ورغم أن الحكومة الهندية لم تتخذ قرارًا بالحظر، إلا أن هذا الجدل أعاد للواجهة سؤالاً يتجاوز حدود المنافسة التجارية، وهو إلى أي مدى تستطيع الدول ضمان سيادتها الرقمية؛ إذا كانت بعض خدماتها الحيوية تعتمد على تقنيات تتحكم بها شركات أجنبية؟.
أعادني هذا السؤال إلى نقاش حول السيادة الرقمية السعودية، خصوصًا مع إطلاق مشاريع طموحة مثل "هيومين"، وتطوير نماذج وطنية للذكاء الاصطناعي، والتوسع في مراكز البيانات والحوسبة السحابية، وهي بلا شك خطوات مهمة تستحق التقدير. غير أن بعض الطروحات الإعلامية تعاملت معها باعتبارها اكتمالاً للسيادة الرقمية، بينما أعتقد أن المسألة أكثر تعقيدًا، وأن التقدم في توطين التقنية لا يعني بالضرورة تحقيق السيادة عليها، خصوصًا أن السيادة الرقمية المطلقة تكاد تكون مستحيلة حتى بالنسبة لأكثر الدول تقدمًا كالولايات المتحدة والصين، وذلك في ظل التشابك الكبير بين التقنيات وسلاسل التوريد العالمية.
فالسيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد وجود مراكز بيانات داخل الحدود الوطنية، أو تطوير تطبيقات ونماذج ذكاء اصطناعي محلية.. إذ قد نمتلك البيانات ونحتفظ بها داخل المملكة، لكن ماذا عن التكنولوجيا التي تعالجها؟ ومن يمتلك القدرة الفعلية على تشغيلها وصيانتها وتطويرها دون الاعتماد الكامل على مورديها؟ وهل نستطيع الاستمرار في استخدامها إذا تعذر الحصول على خدمات المورد الأصلي؟ هنا يظهر الفرق بين امتلاك البنية التحتية الرقمية وامتلاك القدرة الفعلية على التحكم فيها.
ولفهم هذه المسألة، من المفيد التمييز بين توطين التقنية (Technology Localization)، والاستقلال التقني (Technological Autonomy)، والسيادة الرقمية (Digital Sovereignty)، وهي مفاهيم متداخلة ويصعب أحيانا الفصل بينها: فالتوطين يرتبط ببناء القدرات التقنية محليًا وتكييفها مع الاحتياجات الوطنية، والاستقلال التقني يعني امتلاك المعرفة والخيارات التي تحد من الاعتماد الحرج على الخارج، أما السيادة الرقمية فتتعلق بقدرة الدولة على التحكم في منظومتها الرقمية، وحماية بياناتها ومصالحها، واتخاذ قراراتها الكاملة بشأنها.
ولتوضيح ذلك، فقد ننجح في تطوير نموذج وطني متقدم للذكاء الاصطناعي، بينما نظل معتمدين في تشغيله وتحديثه على معالجات وبرمجيات أجنبية. وفي المقابل، قد تحقق الشراكات المدروسة واستخدام التقنيات المفتوحة قدرًا أكبر من الاستقلال التشغيلي، وربما بتكلفة أقل. ولذلك فإن السؤال ليس فقط ماذا نطور محليًا، وإنما ما القيمة الإستراتيجية التي يضيفها هذا التطوير، ولأي مدى يمكنه فعلياً تخفيف اعتمادنا التقني على الخارج؟.
وهذا قطعًا لا يعني بأي حال الدعوة إلى الاستغناء عن تطوير التقنيات الوطنية، أو السعي إلى اكتفاء ذاتي تام يصعب تحقيقه، وإنما إلى النظر للسيادة الرقمية باعتبارها قدرة على إدارة الاعتماد المتبادل، وتنويع مصادر التقنية، وتوفير البدائل، وبناء الكفاءات الوطنية القادرة على التشغيل والتطوير والإدارة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن تقييم تقدم المملكة نحو السيادة الرقمية ينبغي أن يتجاوز حجم الاستثمارات وعدد مراكز البيانات والنماذج الوطنية، إلى قياس ما تضيفه هذه المشاريع من قدرة فعلية على إدارة الاعتماد التقني ومواجهة مخاطره. فالعبرة ليست فقط بما نطوِّره أو نمتلكه، وإنما بمدى ما يتيحه لنا ذلك من بدائل، وما يحققه من استقلال في تشغيل الخدمات الحيوية واستمرارها.
فالسيادة الرقمية في نهاية الأمر، ليست أن نستغني عن العالم، وإنما أن نتعامل معه دون أن نفقد حرية القرار.