ذكور ذباب“عقيمة” من واشنطن

ذكور ذباب“عقيمة” من واشنطن
في مطلع التسعينيات ظهرت في شرق ليبيا ذبابة قاتلة حار الليبيون في التصدي لها، وسقط كثيرون ضحايا بسببها، ووجدت وسائل الاعلام في ليبيا وغيرها في الذبابة القاتلة ، مادة تتوفر لها كافة عناصر الإثارة، مع كل ضحية يسقط بسببها، وفيما كانت شعوب الدول المجاورة لليبيا تتحسس رؤوسها قبل أن تقطفها الذبابة القاتلة، كان الأمريكيون يفركون أيديهم بسعادة غامرة، فثمة فرصة للربح ولتسجيل النقاط السياسية والنفسية وسواها. فقبل أعوام وبينما كان للامريكيين قاعدة عسكرية في ليبيا' قاعدة هويلاس'التي قام القذافي بـ'تحريرها' بعد عام واحد تقريبا من وصوله الى السلطة في سبتمبر 1969، تمكن علماء امريكيون انذاك من الاقتراب اكثر من الذبابة القاتلة والتعرف عليها، بل والحصول على اعداد كافية منها جرى نقلها الى الولايات المتحدة- دون ان تدري السلطات الليبية آنذاك- وهناك في المختبرات الامريكية، أمكن التوصل الى تقنية صديقة للبيئة، بتعقيم اعداد كبيرة - بمعدلات تجارية- من ذكور الذبابة الليبية القاتلة،وحانت الفرصة مطلع التسعينيات من القرن الماضي، حين عاودت الذبابة القاتلة نشاطها، فأعلنت واشنطن عن جاهزيتها للقضاء على الذبابة، وأوفدت عددا من علمائها الى ليبيا، حاملين معهم ذكور الذباب التي بيعت وقتها بالواحدة وبأسعار كبيرة، ضمن خطة علمية لمكافحة الذبابة القاتلة والحد من معدلات تكاثرها، وكما نعلم الان فقد نجحت الخطة الامريكية واختفت الذبابة القاتلة من ليبيا، لكنها فيما يبدو عاودت الظهور مجدداً في سوريا والعراق تحت مسمى 'داعش والنصرة' هذه المرة، كما ظهرت نسخة منها في ليبيا موطن الذبابة القاتلة تحت مسمى 'أنصار الشريعة'. جماعات الاسلام السياسي المسلحة وغير المسلحة، هى ذاتها الذبابة الليبية القاتلة، فقد أنتجتها عوامل بيئية محلية، لكن دولاً كبرى واخرى اقليمية، قامت بتوظيفها لتحقيق غايات انتقالية، هدفها الاساسي انتاج ذرائع للتدخل لاحقا - بغرض تعقيم ذكورها- وربما للحرب على الإسلام ذاته. لسنا سذجاً لينطلي علينا مشهد مقاتلي أو بالأحرى' قتلة' داعش، وهم يجتاحون شمال العراق مدينة إثر اخرى كالسكين في الزبد، دون قتال، مع بعض المشاهد 'التليفزيونية التي تصاحبها اناشيد 'دينية' تحض على 'الجهاد' فيما يقوم بعض عناصر داعش بركل رؤوس الضحايا أو التكبير قبل نحر البشر كالخراف. مشهد اجتياح عناصر داعش لشمال العراق، لا يختلف كثيرا عن مشهد الاجتياح الامريكي لبغداد عام 2003 ، فقد فوجئنا جميعا ببعض الجنود الامريكيين يحرسون مشهد معارضين عراقيين يحطمون تمثالاً لصدام حسين في ساحة الفردوس فيما قام جندي امريكي بتغطية رأس التمثال بالعلم الامريكي ذي النجوم والاشرطة، لم تقع معركة حقيقية واحدة في الطريق الى قلب بغداد، ومع ذلك ظهر الامريكيون 'العلوج' فجأة في قلب العاصمة العراقية، لنعلم لاحقا نقلا عن مسؤول امريكي كبير ان بغداد قد بيعت وان الامريكيين قد دفعوا بضعة ملايين من الدولارات ليدخلوا العاصمة العراقية دون قتال، وبأن من باعوا بغداد غادروها عبر مطارها في طائرة امريكية حملتهم وحقائب دولاراتهم 'الكاش' الى وجهة غير معلومة، ربما كانت قاعدة السيلية او العديد في قطر المجاورة. اسلحة الجيش العراقي، وحتى ملابس جنوده التي خلعوها لدى تلقيهم اوامر بالتخلى عن مهامهم القتالية، تسلمتها عناصر 'داعش' التي دخلت الموصل مسبوقة بشائعات الترويع والقتل، ما حمل مئات الالوف من السكان على الفرار أمام الداعشيين. تصريحات المسؤولين الامريكيين بعد سقوط الموصل، ركزت على ثلاثة أمور ، اولها: ان الهدف ينبغي ان يكون 'وقف تقدم داعش باتجاه بغداد!! وثانيها: ان طرد داعش من شمال العراق ليس مهمة سهلة، وسوف يتطلب وقتا طويلاً، وثالثها:ان الولايات المتحدة لا تعتزم التدخل بالقوة لطرد عناصر داعش، وهذا الأمر الثالث كان له مفعول السحر، فقد تقدمت بعده عناصر داعش للاستيلاء على اكبر مصفاة للنفط في بيجي، وقبلها الاستيلاء على اكثر من اربعمائة وخمسين مليون دولار من احد بنوك العراق، وهكذا اصبح لدى 'داعش' المال والسلاح اللازمين لمواصلة خطة الترويع والتركيع، فكلما تزايد حجم التهديد واتسع نطاقه كلما ارتفعت كلفة التصدي له. غيرت داعش اسمها بعد نجاحات رخيصة وسريعة على الارض، ليصبح اسمها 'الدولة الاسلامية' ويصبح رئيسها ابو بكر البغدادي هو خليفة المسلمين وامير المؤمنين، واللافت ان الاعلام الغربي سارع باعتماد الاسم الجديد، فتجد شبكة بي بي سي الاعلى التزاما بالمعايير المهنية في الغرب تتحدث عن 'الدولة الاسلامية' و تحاكيها شبكات اخرى امريكية وألمانية. الذبابة القاتلة تتكاثر، وقد تحركت بعض عناصرها من ليبيا لتقتل عددا من الجنود المصريين في واحة الفرافرة قبل اسبوعين، وهى تواصل العمل في العراق وسوريا، وتظهر بعض تجلياتها في الاردن والجوار الجغرافي للعراق، أما واشنطن التي تراكمت خبراتها في تربية وتعقيم جماعات 'الذباب'، فهى بانتظار نضوج الحالة على الأرجح، حيث لم يصل المشهد بعد الى الدرجة التي ترتفع عندها فاتورة 'تعقيم الذباب' ، ويتزايد استعداد الضحايا المحتملين لشراء الذكور 'العقيمة' بأي ثمن.

أخبار ذات صلة

حديث عن «التكريم»
“خزان الغاز المركزي».. حل أم مشكلة؟!
التحول القيادي.. من التوطين إلى صناعة القرار
الأمن والأمان.. عنوان نجاح حج 1447هـ
;
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
قراءة الاتجاهات.. وصناعة القرار
أنديتنا الرياضية.. والتجربة المصرية
الأمن الإعلامي
;
الأبجدية في #نواصي_الإيجابية
شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
;
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!