حرب السعودية على الإرهاب

حرب السعودية على الإرهاب
حفلت أدبيات السياسة العربية منذ ساطع الحصري (أحد أبرز مَن تبنّوا فكرة القومية العربية، مع عبدالرحمن الكواكبي، وشكيب أرسلان أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين)، وحتى اليوم بالكثير من الكلام عن 'المصير الواحد'، لكنّ أحدًا من المفكرين أو الساسة القادة العرب لم يتمكّن من تجسيد هذا المفهوم، كما تجسّده الوقائع اليوم. عند اندلاع شرارة ما يُسمَّى بـ'الربيع العربي' بحادثة لطم الشاب التونسي محمد بوعزيزي ببلدة سيدي بوزيد التونسية، قبل أقل من أربعة أعوام، لم يكن يدور بخلد أحد أن رياح سيدي بوزيد ستهب على العالم العربي من مشرقه إلى مغربه، ولا أن ما يُسمَّى بقوى الإسلام السياسي العربية، سوف تخرج جميعها من تحت الأرض ساعية للسيطرة، والحكم في أغلب الدول العربية، لكن ما حدث جسّد لأول مرة فكرة 'المصير الواحد' أسودَ كان أم أبيضَ، فقد اجتاحت عوامل التغيير، أغلب بلدان العرب، وخرجت من تحت الأرض جماعات تمارس العنف المسلّح 'على نحو منهجي' باسم الدِّين، معتقدة أن الجماهير التي خرجت في مسيرات غضب ضد حكامها في مصر وليبيا وتونس واليمن وسوريا، إنما فعلت ذلك طلبًا لاستعادة 'خلافة إسلامية' طالما جرى استخدام شعارها مطية لجماعات الشر على مدى قرون. أقل من أربع سنوات كانت كافية لتعرية حملة شعار الخلافة، ولكشف حقيقة أهدافهم، وصلتهم بأجهزة وبتنظيمات وبحكومات دول تعمل من خارج المنطقة لتفتيتها، وإحكام السيطرة على مواردها، لكن السعودية ما كانت بحاجة إلى السنوات الأربع لتقرأ المشهد، وتكتشف خفاياه، وتتعاطى معها، فقد سبقت محاولات الإرهاب باسم الدّين كل ما جرى في سنوات ما يُسمَّى بالربيع العربي، بزيارات دامية وعاصفة للسعودية، بلغت إحدى أكبر ذراها فيما عُرف بـ'حادثة جهيمان' أواخر سبعينيات القرن الماضي، فيما مثل وخزة عنيفة استيقظ عليها الوعي السعودي، ليدشن لاحقًا أدوات طورها مع الوقت، واستثمر في ذلك جل خبرات الحوادث اللاحقة والتي استمرت خلال الثمانينيات والتسعينيات والعشرية الأولى من الألفية الثانية، حيث بدا أن السعودية هى الجائزة الكبرى التي يتطلع لاعبون كبار للاستحواذ عليها عبر أدوات كان أعمقها خطرًا ذلك الإرهاب المتدثر بعباءة الدين، وردّت السعودية على مؤامرات قوى الإرهاب، بالقوة، وبالعلم، وبالحوار، وبالإصلاح، وبتحذير مبكر للنظام الدولي من مخاطر الإرهاب حتى على من يظنون أنهم بمنأى عنها، وجاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 لتُجسِّد حقيقة التحذيرات السعودية للعالم من مخاطر الإرهاب المتدثر بالدين، والذي كانت بعض جماعاته تلقى الدعم والرعاية من حكومات بعض الدول باعتبارها أدوات في الصراع الدولي، ثم تطورت أدوات المواجهة السعودية ضد الإرهاب بشكل ملحوظ بعد هجمات سبتمبر، خاصة في ضوء اعتماد النظام الإيراني عليه كإحدى أهم أدوات السياسة الخارجية عنده، وقد رأينا كيف تورطت طهران في هجمات إرهابية داخل المملكة، حاول بعضها استثمار موسم الحج لإيقاع أكبر قدر من الضرر والأثر، لكن الخبرات السعودية المتراكمة، مكّنت الأجهزة الأمنية، من إحباط مخططات طهران، التي راحت تحاول العبث عبر الجوار السعودي من الشرق في البحرين، ومن الجنوب في اليمن، وكانت السعودية بالمرصاد لمؤامرات طهران، متسلحة بإرادة النصر، وبالحرص على السلام. مع تداعيات ما بعد 'الربيع العربي' بدا أن ثمة قوى دولية تتطلع إلى استثمار تلك التداعيات في سياق صراع دولي على مناطق النفوذ، وأن ثمة خططًا لدى قوى عظمى لإعادة هيكلة الإقليم ورسم خرائطه، لكن قدرة القيادة السعودية على استشراف مكامن الخطر، وإدراكها أن رياح الإرهاب العاتية إنما يجري توظيفها لتمرير مخططات دولية فوق الأرض العربية تستهدف سلامة دولها، وتتطلع إلى تفتيت وحدتها، صاغت رؤية سعودية واعية، بلغت ذروتها بوقفة سعودية صلبة إلى جانب مصر عقب خروج ملايين المصريين في الثلاثين من يونيو 2013 لإسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين، ولكشف المؤامرة الدولية على المنطقة برمتها، واستمر الأداء السعودي الرفيع، سواء في إدارة ملف التهديدات الإيرانية للبحرين، وكذلك تطويق مخاطر الإرهاب في اليمن، ثم بلغت المواجهة ذروتها بعد اجتياح تنظيم ما يُسمَّى بـ'الدولة الإسلامية في العراق والشام' (داعش) لمناطق واسعة من العراق، وتهديداته باجتياح المنطقة. مواجهة داعش قد تكون الأخطر والأكثر إلحاحًا في اللحظة الراهنة، وذلك عبر تحالف دولي استوعبت قيادته في واشنطن أبعاد التهديدات الإرهابية لدول المنطقة متأخرًا عندما قام 'داعش' بذبح اثنين من مواطني الولايات المتحدة، وبث أفلامًا تُصوِّر عملية النحر. تحذيرات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز المُبكِّرة من مخاطر الإرهاب، وتبنّيه مبكرًا الدعوة إلى مواجهة الغلو، وتركيزه على الوسطية في الإسلام، ثم دعوته إلى الحوار بين أتباع الأديان، وأخيرًا قراره بإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب وتوفير كافة سبل الدعم المالي والمادي له، كل ذلك ينطلق من رؤية سعودية مبكرة لمخاطر الإرهاب، واستيعاب سعودي مبكر لحقيقة الجماعات التي تتبنى الإرهاب تحت عباءة الدين. المصير العربي الواحد يتجسّد الآن في الحرب ضد مخططات التفتيت التي يجري استخدام جماعات الإسلام السياسي لتنفيذها على الأرض، فقد وعى العرب الخطر، وأدركوا أن ما يطال نواكشوط يتردد صداه في المنامة.

أخبار ذات صلة

حديث عن «التكريم»
“خزان الغاز المركزي».. حل أم مشكلة؟!
التحول القيادي.. من التوطين إلى صناعة القرار
الأمن والأمان.. عنوان نجاح حج 1447هـ
;
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
قراءة الاتجاهات.. وصناعة القرار
أنديتنا الرياضية.. والتجربة المصرية
الأمن الإعلامي
;
الأبجدية في #نواصي_الإيجابية
شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
;
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!