البوصلة ضاعت..!

البوصلة ضاعت..!
العالم فقد بوصلته.. هذا في ظني يصلح عنوانًا للمشهد الدولي في اللحظة الراهنة، تجسّده بوضوح حالة الولايات المتحدة التي ما زالت تصارع من أجل الاحتفاظ بقيادة النظام الدولي منفردة، لكن ضياع البوصلة وارتباك قيادة الرئيس باراك أوباما، لا يدع مجالًا أمام واشنطن ليس فحسب لقيادة العالم وإنما أيضًا للتأثير الفعال فيه، أو لتوجيه دفة شؤونه بما يحقق حتى مصالح أمريكا ذاتها ناهيك عن مصالح حلفائها. أعرف أن الغالبية العظمى من البسطاء والطيبين حول العالم يرون أن أمريكا هي أصل الشرور، وأن سقوطها وانفراط عقدها هو ما يضع نهاية لكل الشرور في السياسة الدولية، لكنني أعرف أيضًا أن علماء أجلّاء وعقلاء كثر في عالمنا، يُقدِّرون حاجة النظام الدولي إلى قيادة أمريكية 'رشيدة' تفسح المجال أمام تغيّرات إيجابية في العلاقات الدولية، وتضع نهاية لحالة من غياب اليقين سادت النظام الدولي منذ اللحظة الأولى للاستفراد الأمريكي بزعامة النظام الدولي إثر انهيار الاتحاد السوفييتي السابق مطلع تسعينيات القرن الفائت. عند أول منعطف، بعد اضطلاع واشنطن بزعامة العالم منفردة، خاض جورج بوش الأب حربًا في الصومال، اختار لها عنوانًا ذا مغزى، إذ أسماها عملية 'استعادة الأمل'، لكن آمال بوش تبدّدت في الصومال، ثم تبدّد بعدها الصومال ذاته، مُدشِّنًا حقبة اختفاء الدول وتبدّل الخرائط في منطقة الشرق الأوسط 'الكبير'. بعد الصومال، اشتعل البلقان في ظل رئاسة بيل كلينتون، ولم تهدأ النيران فيه إلا بعد سنوات، اختفت خلالها دولة كان اسمها 'يوغوسلافيا' وقامت على أنقاضها بضع دول، حملت أسماء صربيا وكرواتيا وسلوفينيا والبوسنة والهرسك، وأخيرًا.. كوسوفو، ثم انتقلت آلة التفتيت إلى العراق في عهد بوش الابن، حيث عكست نقاشات في الكونجرس الأمريكي آنذاك، ودراسات عكفت عليها مراكز أبحاث ذات تأثير واضح على القرار في البيت الأبيض، رغبة أمريكية في تقسيم العراق، وهو ما يحدث الآن تحت أسماعنا وأبصارنا، وبينما تنطلق قوات البشمركة الكردية (العراقية) للمشاركة في الحرب ضد داعش بمنطقة عين العرب السورية، بتسليح وتدريب وتأييد أمريكي معلن، يجرى السفير الأمريكي في بغداد حوارات ومناقشات مع زعماء العشائر السنية، تتناول تسليح وتدريب شباب العشائر لخوض الحرب ضد داعش!!. السفير الأمريكي لم يلتقِ وزير الخارجية العراقي ولا وزير الدفاع ولا رئيس الحكومة ولا رئيس الدولة، وإنما ذهب مباشرة إلى زعماء العشائر، حاملًا تكليفات واشنطن ومعها أيضًا حزمة حوافز لذوي الطموح من زعماء العشائر.. العراق الذي عرفناه إذن يتغيّر ويتشظَّى تحت سمع الجميع وبصرهم. داعش هي العنوان أو اللافتة التي تجري تحتها أكبر عملية لإعادة رسم خرائط الإقليم منذ انهيار 'الخلافة العثمانية'، ولا يمكن لهذه العملية أن تكتمل إلا باستمرار داعش كمصدر للتهديد يبرر ويغطي على ما جرى ويجري باتجاه إعادة تقسيم الإقليم برمته مجددًا، ولهذا نرى الرئيس الأمريكي أوباما يتحدث في مستهل الأزمة معترفًا بأن بلاده 'لا تملك إستراتيجية للتعامل مع داعش'، أو بالأحرى يعتذر عن القيام بتحرك مؤثر بدعوى أن 'البوصلة ضايعة'، ثم يحدد أوباما أهداف تحالف دعا إليه لمواجهة داعش بأنها 'تحجيم ووقف تقدم داعش في العراق وسوريا' لاحظوا أنه لم يقل القضاء على داعش أو التخلص منها، وقبل ساعات أعلن أوباما نفسه وهو يلملم جراح هزيمة حزبه في انتخابات الكونجرس، أن الهدف الآن أصبح هو طرد داعش من العراق، ثم تبني إستراتيجية لاحقًا لمواجهتها في سوريا، ما قد يعني ترك حلب تسقط في قبضة داعش، أو تعويض داعش بحلب مقابل خروجها من الموصل والأنبار في العراق. وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس حذر قبل ساعات من أن حلب على وشك السقوط في قبضة داعش، واعتبر فابيوس أن سقوط حلب سوف يكون نقطة تحول مروعة في الصراع ضد داعش، مطالبًا قوى التحالف الدولي بالتحرك نحو إنقاذ حلب. فابيوس يرى أن حلب هي العنوان وأن الانتصار في الحرب يبدأ منها، وأن الهزيمة تتحقق بسقوطها، فيما تصر واشنطن على اعتبار عين العرب 'كوباني' هي العنوان الحقيقي للحرب ضد داعش، ومع تباين العناوين التي تعكس اختلافًا كبيرًا في الأولويات بين قوى رئيسة في التحالف الدولي ضد داعش، يبدو أن بوسع الخليفة المزعوم أبوبكر البغدادي الاسترخاء في قصره على شاطئ دجلة مستمتعًا بفاصل من الرقص 'الإجباري' تؤدِّيه الجواري والسبايا من الأيزيديات والمسيحيات اللائي وقعن في أسر مقاتلين تمكن الخليفة من جمعهم من شتى بلدان الغرب. البوصلة مازالت 'ضايعة' في أمريكا، أو أن أحدهم هناك قد أخفاها متعمدًا عن عين سيد البيت الأبيض، وإلى أن يتم العثور عليها أو استعواض بديل عنها، لا مفر أمام دول المنطقة وقوى الفعل بها من العمل وفق حساباتها هي وطبقًا لما تشير إليه بوصلتها هي لا بوصلة واشنطن.

أخبار ذات صلة

حديث عن «التكريم»
“خزان الغاز المركزي».. حل أم مشكلة؟!
التحول القيادي.. من التوطين إلى صناعة القرار
الأمن والأمان.. عنوان نجاح حج 1447هـ
;
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
قراءة الاتجاهات.. وصناعة القرار
أنديتنا الرياضية.. والتجربة المصرية
الأمن الإعلامي
;
الأبجدية في #نواصي_الإيجابية
شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
;
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!