خريف الدواعش وصباح بورقيبة
تاريخ النشر: 28 نوفمبر 2014 01:41 KSA
تستقبل القاهرة مع نسمات فجر اليوم (الجمعة) صباحًا داعشيًا بامتياز، دعت إليه الجبهة السلفية، وراهنت عليه جماعة الإخوان المنحلة بكل صور الدعم، وسط تهديدات بإشعال البلاد تحت عنوان 'استعادة الهوية'.
وفيما دعت جهات ذات صلة بمؤسسات الدولة، المصريين إلى التزام الحيطة والبقاء بمنازلهم لتسهيل مهمة الأجهزة الأمنية وقوات الجيش، في التصدي للدواعش الجدد، يبدو المصريون أقل اكتراثًا بتهديدات الدواعش، وأكثر ثقة في قدرة أجهزتهم الأمنية على إحباط مخططات سارعت جماعات سياسية سلفية، مقدمًا الى التبرؤ منها.
ما يسميه تحالف الإخوان والجبهة السلفية 'يوم استعادة الهوية' يطلق عليه غالبية المصريين 'يوم الحساب' أي اليوم الذي سيشهد طي صفحة العنف باسم الدين، والإجهاز على جماعات وصفها المفتي السابق الشيخ علي جمعة بأنها 'جماعات الخوارج'، لكن إصرار أغلب جماعات الإسلام السياسي المصرية على انتهاج العنف كوسيلة للتغيير، يطرح العديد من الأسئلة، حول أسباب هذا الإصرار، فيما تشهد تونس انتقالا هادئًا 'نسبيًا' للبرلمان، من أكثرية الإسلاميين الى أكثرية 'البورقيبيين'، بينما يستعد قصر قرطاج -على الأرجح- لاستقبال رئيس مناوئ للإسلاميين، عمل لأكثر من ستين عامًا مع بورقيبة وبن علي.
لماذا اختلف المشهد بالقاهرة عنه في تونس، بعد ثورة فجرها التوانسة من بلدة سيدي بوزيد، أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، فتجاوب معها المصريون بثورة أطاحت بحكم حسني مبارك؟!.. ما الذي صنع الفارق؟ هل هو اختلاف ترتيب الأولويات، بعدما قاد النهم الإخواني للسلطة بمصر إلى وضع عصا الانتخابات الرئاسية في عجلة ماكينة الدستور، خلافًا لأي منطق؟.. هل هو اختلاف حجم وتأثير ودور القوات المسلحة في البلدين وعلاقة كل منها بالسلطة؟!.. هل هو طبيعة تنظيم الإخوان في مصر، والتركيبة 'القطبية' الحاكمة لمكتب الإرشاد آنذاك؟.. هل هو مقدار التركيز الإقليمي والدولي على التغيير في مصر، مقارنة بتونس؟.. هل هى إفرازات ستين عامًا من التجربة المصرية منذ يوليو 1952، مقارنة بـ'البورقيبية' وانعكاسات كل منهما على الحركة العمالية والنسائية في البلدين؟!
أغلب الظن أن إخوان تونس تعلّموا الحكمة من رأس المرشد الطائر في مصر، وأغلب الظن أيضًا أن حركة النهضة التونسية اختارت البقاء ولو على رصيف السياسة، وأنها راهنت على استعادة الفرصة عبر الصناديق في مرحلة لاحقة، تستثمر خلالها ما أتاحه الدستور التونسي الجديد لها من إمكانيات الحركة بعيدًا عن الملاحقات الأمنية وسنوات الحظر الطويل خلال حقبتي بورقيبة وبن علي.
وكلنا رأينا كيف سارعت حركة النهضة التونسية بزعامة الغنوشي، إلى الإقرار بهزيمتها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وكيف اتخذت قرارها بعدم تقديم مرشح منها للانتخابات الرئاسية التي حملت 'صديقها' المنصف المرزوقي إلى جولة الإعادة بعد أسبوعين من الآن.
أداء 'النهضة' في تونس، يعكس استيعابها لدروس فشل الجماعة الأم في مصر، لكنه يعكس أيضًا قدرة المجتمع التونسي، على ترويض إخوان تونس، بأدوات العمل العام، تلك القدرة التي استمدت مقوماتها من سنوات البورقيبية (1954- 1988)، تلك الفترة التي استطاع خلالها الحبيب بورقيبة، إعادة هيكلة المجتمع التونسي، ليعلي شأن المرأة بقانون مازال يثير الجدل في العالم الاسلامي كله، وليتيح تكوين اتحادات عمالية قوية، ووضع سياسة تعليمية صارمة، ما قاد في النهاية إلى تأسيس ثقافة، لا تخلط الدين بالسياسة، تحولت هذه الثقافة مع الوقت، إلى حائط الصد الأخير بين تونس وبين 'قوى الماضي'.
لأسباب كثيرة اختلف ما يحدث في تونس عقب ثورة، عما حدث ويحدث في مصر عقب ثورتين، فما يجري في مصر اليوم تحت عنوان 'انتفاضة استعادة الهوية'، هو في حقيقته صراع لم يحسم بعد بين قوى الماضي 'الدواعش الجدد' وبين القوى الحية بالمجتمع المصري، والتي تتطلع إلى حماية 'الهوية المصرية'، ورغم أن الصراع في تونس بين قوى الماضي وبين القوى الحية في المجتمع التونسي لم يحسم بعد هو الآخر، إلا أن أدوات الصراع ومساراته اتخذت -حتى الآن- منحى سلميًا، لا يغلب عليه العنف كما حدث ويحدث في مصر.
ما فعلته سنوات بورقيبة في تونس، سمح بفوز حزب نداء تونس بزعامة باجي قايد السبسي، رجل المهام الصعبة في زمن كل من بورقيبة وزين العابدين بن علي، ولم يخرج علينا من تونس من يرفض انتخابات 'أتت بالفلول' كما حدث ويحدث وسيحدث في مصر، وما فعلته سنوات بورقيبة في تونس، سيسمح بمرور السبسي إلى قصر قرطاج لاحقًا، بعدما أدى خوف التوانسة من عودة الفلول في المرحلة الأولى من الانتخابات إلى تمكين منصف المرزوقي من بلوغ جولة الإعادة.
أما في مصر التي ربما تحتاج إلى 'وصفة بورقيبة' لإعادة هيكلة المجتمع المصري، فقد أدى تعيين السيدة فايزة أبوالنجا مستشارة للرئيس المصري لشؤون الأمن القومي، إلى إثارة جدل حول عودة الفلول إلى سدة السلطة، بينما لم يتساءل أي من مثقفي الثورة عن انتصار تحقق للمرأة المصرية بتعيين أول سيدة في منصب مستشار الأمن القومي لرئيس الجمهورية، وهو منصب احتاجت أمريكا بعظمة قدرها إلى نحو ثلاثمئة عام من الديمقراطية قبل أن تتقلده امرأة، ولم يتساءل أي من مثقفي الثورة أو أدعياء الثقافة، عن مؤهلات السيدة أبوالنجا، وما إذا كانت تلبي متطلبات الوظيفة التي أسندت إليها أم لا، هم فقط اكتفوا باعتبارها أحد رموز عهد مبارك، ولم يقل لنا أي منهم، أين كان هو خلال عهد مبارك، ألم يكن مواطنًا عاش أكثر من عشرة آلاف يوم وليلة تحت حكم مبارك، ألم يكن شاهدًا على فساد وساكتًا عليه، ألم يكن شريكًا 'بالمعايشة' في تلك الفترة؟!.
مأزق النخبة المصرية، فضحته ثورة يناير بتوابعها، وهو في حقيقته مأزق وطن معتل، تهيمن على فضائه الإعلامي نخبة معتلة، تحتاج هي إلى الإصلاح قبل أن تزعم قدرتها على صناعته، وما صنع الفارق بين مآلات الثورة في تونس ومصر، يظل شاهدًا على حاجة المصريين إلى إصلاح هيكلي يعتمد على التعليم أولاً وثانيًا وثالثًا.
صباح الدواعش الجدد في مصر اليوم، قد يؤذن بنهاية عصر استدعاء الماضي ليصنع المستقبل، لكنه أيضًا يجب أن يؤذن لبداية جديدة في مصر، تضع الماضي خلفها، وتتطلع أمامها نحو مستقبل مختلف، يؤسس لدولة مدنية بحق، لا مكان تحت سمائها لماكينات تنتج دواعش جدد.