مكاسب اللا اتفاق
تاريخ النشر: 10 أبريل 2015 02:04 KSA
هل هناك علاقة بين ملفات تتورط بها إيران في المنطقة العربية بسوريا ولبنان والعراق واليمن وغزة والبحرين، وبين مفاوضات بشأن ملفها النووي مع مجموعة 5+1؟!..وهل ثمة انعكاسات محتملة للاتفاق النووي مع إيران، على أزمات الإقليم؟!.. وما هي تلك الانعكاسات المحتملة؟!.. وهل يعني وجود تلك العلاقة أن دول المنطقة المستهدفة بتهديدات إيران تسدد وحدها فاتورة الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى؟!.
في ظني أن العلاقة قائمة، بل ومؤكدة، وفي ظني أيضاً أن خطايا واشنطن في معالجة الملف النووي الإيراني، سوف تدفع المنطقة ثمنها كاملا من استقرارها ورخائها وسلامها لسنوات عديدة مقبلة.
لدى طهران مشروع إستراتيجي كبير، هو جزء من موروثها التاريخي، سعى لإنجازه الشاهنشاه محمد رضا بهلوي، ثم تبنّاه من بعده من أطاحوا به وجاءوا بحكم الملالي، وحين فضح صادق قطب زاده وزير خارجية الخوميني هذا الطموح متحدثاً عن «تصدير الثورة» لدى زيارة قام بها للبحرين، أطاح به الخوميني، ليس لأنه كذب، ولكن لأنه كشف أوراق الملالي مبكراً.
تصدير الثورة، هو في جوهره تجسيد لرؤية يجري من خلالها السيطرة على الإقليم عبر نشر فكرة الثورة الإيرانية ونظرية «ولاية الفقيه» التي أنجزها الخوميني خلال سنوات المنفى في النجف الأشرف بالعراق، أما القدرات النووية فليست سوى إحدى أدوات طهران، للهيمنة على إقليم الشرق الأوسط.
وهكذا، استطاعت طهران تهيئة المسرح الإقليمي، ووضعه قبل مفاوضات لوزان، بين خيارين، أحلاهما مر، فإما أن يقبل بطهران نووية، تبتز جيرانها وتسعى لبسط رؤيتها بـ»القوة» أو بـ»الترويع»، وإما أن يعترف لطهران بنفوذ وتأثير وربما بحضور ووجود على مسرح الشرق الأوسط.
أخطر ما في الخيارين، أن أيًّا منهما بات يمتلك قوة الحضور، أي أنه بات قابلا للتحقق، فالبرنامج النووي قد قطع شوطا بعيدا، وبات على بعد خطوات من امتلاك «القنبلة»، والحضور الإقليمي الإيراني- مستثمراً خطايا واشنطن وقعود دول الإقليم- قطع هو أيضاً خطوات مؤثرة في سياق الإمساك بمفاتيح الحل والحرب في المنطقة.
طوال مفاوضات الملف النووي الإيراني في لوزان، أدرك الإيرانيون أن الرئيس الأمريكي لا يريد أن يعود خالي الوفاض، وأن لديه ميلاً لإغلاق بعض الملفات «المزمنة» (كوبا وإيران مثلا)، بغض النظر عن ثمن إغلاق تلك الملفات.
وأدركوا أيضاً أن وزير خارجيته يجري موازنة طوال الوقت، بين ثمن الاتفاق مع طهران وبين ثمن «اللا اتفاق» معها، واستوعب رجال البازار التفاوضي الإيراني، أن رفع ثمن اللا اتفاق سوف يقودهم إلى اتفاق أكثر ملاءمة لمصالحهم، وأن عملية رفع الثمن يجب أن تجري عبر تصعيد للحضور الإيراني بـ»القوة» في العراق واليمن وسوريا ولبنان وغيرها.
في هذا السياق يمكن فهم، لماذا أعلن أوباما دعم بلاده اللوجستي لعملية عاصفة الحزم، ولماذا اتصل بالرئيس المصري ليبلغه برفع الحظر عن طائرات إف 16 ودبابات إم 1 إبراهامز وصواريخ هاربون، فيما كان رجاله يتبادلون أنخاب الاتفاق النووي مع طهران.
أوباما كان يريد تقليص ثمن الاتفاق النووي، من خلال تقليص مزايا تفاوضية تحصل عليها طهران، عبر رجالها في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، وهو ما لم يحدث حتى لحظة كتابة تلك السطور، فالاتفاق النووي لن يتم قبل 30 يونيو المقبل، ومن هنا وحتى هذا الموعد ستظل أزمات الإقليم، تحت وطأة التسخين والتبريد طبقاً لمقتضيات المصلحة لدى أطرافها.
المنطق ينتحر في منطقة الشرق الأوسط، والتحالفات تتبدل وتتغير، كما تُبدِّل الغانية ثياب رقصها، والتوقعات باتت رجما بالغيب، رغم حالة انكشاف عامة، بعدما شقت جيوب الغزل وانبح صوت القبل كما يقول الشاعر بشارة الخوري.