إجابات سعودية عن أسئلة اللحظة
تاريخ النشر: 26 يونيو 2015 02:06 KSA
في عام 1988 جرى الكشف لأول مرّة عن صفقة الصواريخ الإستراتيجية الصينية «رياح الشرق» التي تمكّنت السعودية من الحصول عليها في سريّة تامّة، كانت المفاجأة وقتها مزدوجة، بالنسبة للأمريكيين، الذين اكتشفوا أن بوسع السعودية الاحتفاظ بسرِّ الصفقة رغم مفاوضات طالت بشأنها، وكذلك أن لدى السعوديين ميلاً مبكرًا لتنويع مصادر السلاح؛ حفاظًا على استقلالية القرار بشأن خيارات مصيرية كالحرب والسلام.
بعد عامين فقط من صفقة الصواريخ الصينية، اجتاز التزام أمريكا بأمن السعودية ودول الخليج العربية اختبارًا حقيقيًّا، عقب الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس عام 1990، لكن السنوات التالية شهدت تآكل الالتزام الأمريكي تدريجيًّا، بعد هجمات سبتمبر، وحرب بوش الابن في كل من أفغانستان والعراق، اللتين ساهمتا في تمكين طهران من بسط سيطرتها على العراق، وبناء نفوذ لها في أفغانستان.
ثلاث قضايا ظلّت حاسمة بشأن سياسات واشنطن في المنطقة، أولاها أمن إسرائيل، وثانيتها تأمين إمدادات النفط، والثالثة مكافحة الإرهاب، وبتطور تلك القضايا، مع تراجع أهمية النفط نسبيًّا للولايات المتحدة، التي تراجع اعتمادها كثيرًا على النفط المستورد، وكذلك بدخول إسرائيل حالة غير مسبوقة من الأمن، وسط انكفاء عرب الإقليم على الذات كنتيجة لأحداث ما سُمِّى بالربيع العربي، ثم بخيار أمريكي غير معلن بالنوم مع العدو، وهو ما تجلّى في دعم لجماعات الإسلام السياسي (الإخوان بصفة خاصة) بعضه معلن، وبعضه ما يزال خفيًّا، ضمن إستراتيجية أمريكية جديدة لمغالبة الجماعات الجهادية الإسلامية، بجماعات سياسية إسلامية، على طريقة أبوالنواس:
«دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء».
مراجعة واشنطن لأولوياتها في المنطقة، حملت القوى الإقليمية على مراجعة أولوياتها كذلك، وهو ما عبّرت عنه اتجاهات السياسة الخارجية السعودية، التي حملت الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد ووزير الدفاع إلى زيارتين «إستراتيجيتين» لكل من موسكو وباريس، تمحورتا حول برامج تسلح، واتفاقيات في مجال التعاون النووي للأغراض السلمية، وتفاهمات حول الملفات الإقليمية الساخنة في سوريا، ولبنان، واليمن، وليبيا، والعراق.
التحوّلات الإستراتيجية لا تأتي بغتة، فهى ليست نتاج خاطرة عابرة، وإنما تنضج على مهل، ويجري رسمها على مهل، ثم يجري تحقيقها على مهل المهل، وبقدر ضخامة وثقل الدولة التي تجري هذا التحوّل في إستراتيجيتها، بقدر بطئه وصعوبته، فالدول الكبرى مثل حاملات الطائرات، لا يمكنها الالتفاف فجأة، وتستغرق عملية الالتفاف عندها وقتًا يطول، تكون حصانتها خلاله أقل، لكنها تتمتع مع ذلك بقوة تدريع هائلة، تتصدّى لأعتى العواصف، وأعلى الأمواج.
حركة السعودية باتجاه بناء «سلة تحالفات إستراتيجية» بدأت مبكرًا، وبدت صفقة صواريخ رياح الشرق الصينية قبل قرابة ثلاثين عامًا، إحدى أبرز تجلياتها، لكن زيارة الأمير محمد بن سلمان لكل من روسيا وفرنسا قبل يومين فقط، وما جرى من توقيع لاتفاقيات ذات طابع إستراتيجي مع البلدين، تقطع بأن السعودية، قد انتهت مبكرًا من قراءة المشهد الدولي، والإقليمي، وأنها استقرّت مبكرًا أيضًا على الحاجة إلى تنويع التحالفات الإستراتيجية، وبناء مصالح مشتركة مع قوى عظمى تتيح حالة من الاعتماد المتبادل، بما يكفل استقرار واستمرار تلك التحالفات لمدى زمني ممتد، يستوعب الأخطار المحدقة بالإقليم، ويجيب عن أسئلة اللحظة.