الحرب لم تعد باردة
تاريخ النشر: 02 أكتوبر 2015 01:51 KSA
عادت روسيا بقوة إلى شرق المتوسط، بعد طول غياب، وعاد بعض العرب إلى ما اعتادوا عليه طيلة سنوات الحرب الباردة، حيث كان يطيب لبعضهم التلذذ بالدفء بجوار حليف «تاريخي» أو «تقليدي» تبعًا للظروف والأحوال. لكن اللعبة لمن لا يعرف لم تعد هي ذاتها، فالعالم قد تغيّر، لا روسيا الحالية هي ذاتها الاتحاد السوفييتي السابق، ولا أمريكا التي توهّمت قدرتها على الانفراد بقمة العالم لقرن آخر جديد، هي ذاتها أمريكا التي عرفها العالم منذ قصفت هيروشيما ونجازاكي بالقنابل الذرية.روسيا التي نراها الآن، هي بلد مُحمَّل بمخاوف على المستقبل، فهذا الشعب الذي قدّم عشرات الملايين من القتلى في الحرب العالمية الثانية، واستطاع دحر جيوش النازية واقتحام وكر هتلر في برلين، قد رأى بأم عينه بلاده وهي تنهار وتتمزق وتتراجع، وينحسر أي نفوذ لها حتى فوق أرضها.وهذا الشعب الروسي ذاته هو من رأى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كيف جرت محاولات لتفكيك روسيا ذاتها، بدءًا من الشيشان، وكلنا يذكر كيف استطاب للبعض في العالم العربي الاحتفاء بالمجاهدين الشيشان، وكيف ظن الطيبون في عالمنا أن دعم مقاتلي الشيشان هو فرض عين على كل مسلم، إلى أن أفقنا وأفاقت الدنيا على كوابيس أنتجها مُتحمِّسون شباب كان بعضهم طرفًا في معادلات حملت كلها عناوين الجهاد، وضلت كلها الطريق إلا من رحم ربي.عندما كانت حرب الشيشان تُمزِّق أحشاء روسيا، كان فلاديمير بوتين في موقع ما بالمخابرات الروسية يرقب ويرصد ويُتابع، اليوم هذا الرجل ذاته هو من يتصدّر المشهد في روسيا، وهو من يُحاول من موقعه على رأس الدولة الروسية، تأمين سلامة الاتحاد الروسي، الذي لم تخف الولايات المتحدة تطلعها إلى تفكيكه. بوتين يريد أن يخوض معارك تأمين روسيا خارج حدودها، وهذا طبيعي كما يعرف أساتذة العلوم العسكرية، ولكن يبقى السؤال حول ماهية هذا الخارج الذي يذهب إليه بوتين.هل سوريا هى جزء من هذا الخارج؟! وإن كانت كذلك، فما هي حدود ومستويات الحضور العسكري الروسي بها، سواء على النطاق الجغرافي، أو في المدى الزمني؟ لا أحد يستطيع التكهن بنوايا موسكو، فيما يضم لاعب البوكر الروسي أوراقه إلى صدره، وهذا ما يُؤكِّده جيفري وايت زميل معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى الذي يرى أن التدخل الروسي في سوريا وهدفه لا يزالان غامضين، إلا أنّ أبعادهما تبدو كبيرة، فقد تكون الخطوة الروسية عامل تغيير محتمل لقواعد اللعبة العسكرية، يمكن أن يوقف انهيار قوات الأسد، بل وقد يقلب المعادلة لصالح النظام إذا كان عامل التغيير كبيرًا بما فيه الكفاية. ويضيف وايت: قد يُمثِّل التدخل الروسي مشكلة بالنسبة إلى موسكو، إلا أن روسيا تبدو عازمة على المخاطرة بعض الشيء لتحقيق أهدافها.كما أن التدخل الروسي في المعركة السورية قد يدفع بالمعارضة وحلفائها، لاسيما بعض الحكومات التي يبدو دعمها لهم متزعزعاً، إلى أخذ وقت مستقطع، ويعتبر وايت أن المعارضة السورية وحلفاءها في الإقليم، لا يرغبون في الانخراط في معركة عسكرية ضد روسيا، وأن التدخل الروسي سيدفع الأطراف المعنية إلى التسليم بأنه لا حل للصراع السوري دون انخراط موسكو.ويضيف وايت: إن الوجود العسكري الروسي على أرض المعركة، سوف يُضاعف تأثير موسكو على أي نتائج قد تنجم عن الصراع في النهاية، معتبرًا أنه طالما حظي النظام السوري بدعم الكرملين، فإن احتمال إقصاء الأسد من منصبه يتضاءل أكثر فأكثر، وفي حال تطوّر الوجود الروسي إلى قوة قتالية كبيرة، فقد تعجز واشنطن وحلفاؤها عن اتخاذ أي خطوات بارزة حيال ذلك، فالولايات المتحدة وحلفاؤها لن يخاطروا بالانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا.معرفة دوافع السلوك الروسي قد تساعد على استقراء نوايا بوتين، وهو ما قد يسهم بدوره في استقراء مستقبل هذا التدخل العسكري وانعكاساته على المنطقة والعالم.بعض العرب سعيد بعودة روسيا إلى الإقليم، وبعضهم يظن أن الاتحاد السوفييتي القديم سيعود وتعود معه قواعد اللعبة القديمة للحرب الباردة، لكن حرب الكبار في سوريا ما عادت باردة، ومع ذلك فقد يعزز نزول الروس في سوريا فرص الجمهوريين في الفوز بالرئاسة الأمريكية المقبلة.