ولادة خليجية لنظام دولي جديد

ولادة خليجية لنظام دولي جديد
أمامنا كعرب مشهد إقليميّ شديد الالتباس، لكنّنا وسط زحام اصطنعنا بعضه، واستدعينا بعضه، وتغافلنا عن بعضه، أصبحنا لا نرى في الغالب أبعد من أطراف أنوفنا، ولا نتعامل مع الأزمات قبل أن تحيط تمامًا بنا، فتنقلنا من حال الاختيار، إلى حال الاضطرار، التي تضعنا أمام أنفسنا في النهاية موضع الضحية المغلوب على أمره.. ألسنا مضطرين؟! ألسنا بلا خيارات تقريبًا؟! فليتقدم مَن يملك منكم خيارات بديلة!!تبدو الكتابة السياسية في ضوء هذا التصوّر الراهن، محاولة للتمرّد على حال الاضطرار، وبحثًا عن مخرج ينقلنا إلى حال الاختيار، لكن هذا الترف الفكريّ قد لا يُتاح لكلِّ كاتب، أو مفكر، أو مهموم بقضايا وطنه، وإنّما يُتاح مثل هذا الترف، لمن قَبِلَ طواعيةً الخوض في حقول ألغام الإقليم. وعندي في هذه المغامرة حقلان، حقل «وشيك» يضغط به عنصر الزمن، باستحقاقات لا تجد فسحة للتأجيل.. وحقل قريب يحمل ملامح تغيير إستراتيجي هائل قد يعصف بكل الإقليم، أو يطويه تحت أجنحة الرحمة.الحقل الوشيك هو الانتخابات التركية، التي تجرى أول نوفمبر، وقد تكون الأهم في التاريخ التركي الحديث، وحتى بحسب انعكاساتها المحتملة على الإقليم كله.تخوض تركيا الانتخابات البرلمانية للمرة الثانية خلال أقل من خمسة أشهر، بعدما عجز أي من أحزابها عن الحصول على أغلبية مطلقة (النصف زائد واحد) من مقاعد البرلمان، وبعدما أخفقت الأحزاب في بناء ائتلاف يستطيع التصدّي لمهام الحكم.استطلاعات الرأي تشير إلى أن حزبًا واحدًا لن يفوز بالأغلبية، بعدما تورّمت تعقيدات المشهدين التركي والإقليمي، خلال الشهور الأربعة الماضية، والتي كان يعوّل عليها أردوغان لتحسين فرص حزبه في استعادة قبضته على الحكم، لكن ما جرى في تركيا، والإقليم قاد -بعوامل التأثير والتأثّر- إلى تراجع فرص حزب أردوغان طبقًا لاستطلاعات الرأي، بعدما انتقل الاستقطاب الإقليمي إلى الداخل التركي، لتبدو تركيا منقسمة على ذاتها لأول مرة منذ عقود.انتقال الحرب الباردة محمّلة بأدوات صراع عسكري باتت حاضرة في الجوار التركي بسوريا، والعراق، يوشك أن يعصف بتركيا ذاتها، بل وقد يضعها على خارطة التفكيك والتركيب الشرق أوسطية.نتائج الانتخابات التركية المقبلة، سوف تترك علامات مؤثّرة بقوة في حروب الإقليم، وبخاصة في سوريا، وقد تفتح الباب لمزيد من الفوضى الإقليمية، أو لمزيد من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة بين روسيا وأمريكا، فيما تتقاطع خطوط سير المقاتلات المتنافسة في أجواء العراق وسوريا.أمّا الحقل القريب، فهو في مياه الخليج، حيث تجري عملية مراجعة في العمق لضمانات الأمن في الخليج بعد المصادقة على الاتفاق النووي الإيراني (5+1)، فيما تستعد حاملة الطائرات الأمريكية تيودور روزفلت لمغادرة الخليج بدعوى الصيانة الدورية، تاركة المنطقة دون حضور أمريكي مؤثر لأول مرة منذ ثماني سنوات. وهو ما أشرت إليه في مقالي الفائت، وفيما يبدو فإن ثمة تصوّرًا أمريكيًّا جاهزًا للأمن في الخليج يجري الآن تسويقه، وأن واشنطن ربما فضّلت أن يدور الحوار حول الأمن الإستراتيجي في الخليج في غياب رموز ثقيلة للحضور العسكري بالإقليم، إمَّا تخففًا من أعباء ينوء بها كاهلها، وإمّا تطلعًا إلى إنجاز تصوّر إستراتيجيِّ للأمن متعدّد الأطراف في مياه الخليج.يقوم التصوّر الإستراتيجيّ الذي تطرحه واشنطن على شراكة تضم دول مجلس التعاون الخليجي + إيران + العراق + الصين + اليابان + روسيا + الاتحاد الأوروبي + الهند.لاحظوا معي أن أمن الخليج الواقع جغرافيًّا في قلب الشرق الأوسط، لا حضور لتركيا، ولا لمصر في التصوّرات الأمريكية لضمانات أمنه.في التصوّر الأمريكيّ الذي ربما بدأت خطط واشنطن لتسويقه تحت عنوان «نحو نظام أمني خليجي جديد» يرى كلٌّ من فريدريك ويري، وريتشارد سوكولسكي اللذين أعدَّا هذا التصوّر، أن مجلس التعاون الخليجي المعني أساسًا بتأمين أعضائه ضد إيران، قد استبعد منذ تأسيسه كلاًّ من إيران والعراق المطلتين على الخليج، وأن أيَّ تصوّر أمني لابد أن يشمل كل الدول المطلّة على الخليج. ويعتبر هذا المشروع أن الاتفاق النووي قد عزز فرص بناء نظام أمني جديد في الخليج، تتوزّع أعباءه على أطراف دولية تشمل أيضًا روسيا، والصين، واليابان، وأوروبا، والهند.وفيما يبدو فإن مشاورات أمريكية قد بدأت مع الأطراف التي تراها واشنطن معنية، بهدف إرساء أسس نظام أمني جديد في الخليج، تتكثف مشاوراته خلال الأشهر الست المقبلة، يسمح لواشنطن بالتخفّف من أعبائها، ويتيح فرصة لولادة نظام دوليّ متعدّد الأقطاب، تنتقل فيه واشنطن من موقع الهيمنة إلى موقع الإدارة.

أخبار ذات صلة

حديث عن «التكريم»
“خزان الغاز المركزي».. حل أم مشكلة؟!
التحول القيادي.. من التوطين إلى صناعة القرار
الأمن والأمان.. عنوان نجاح حج 1447هـ
;
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
قراءة الاتجاهات.. وصناعة القرار
أنديتنا الرياضية.. والتجربة المصرية
الأمن الإعلامي
;
الأبجدية في #نواصي_الإيجابية
شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
;
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!