قواعد اللعبة وأصول المشاهدة
تاريخ النشر: 27 نوفمبر 2015 01:15 KSA
حبس كثيرون أنفاسهم لحظة إسقاط أول قاذفة سوخوى روسية فوق سوريا، بصاروخ جو- جو أطلقته مقاتلة إف ١٦ تركية، واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، بمن يحتفلون بالواقعة، وبمن يتوقعون أن تكون طلقة البداية في حرب عالمية ثالثة. سارع الأتراك بعد إسقاط الطائرة الروسية، إلى الاحتماء بالناتو، أليست تركيا عضواً بالحلف العتيد؟!.. أليس سلاح الجو التركي إذن هو جزء لا يتجزأ من قوة الناتو الجوية؟!.. ألم تقل أنقرة أن الطائرة الروسية كانت في الأجواء التركية، حين تم إسقاطها؟!.. الم تقل أنقرة أيضاً أن طيّاريها حذروا طاقم الطائرة الروسية قبل إسقاطها عشر مرات على مدى خمس دقائق؟!.. إذن فمن أسقط الطائرة الروسية هو حلف الناتو كله، وليست تركيا وحدها.لا يشبه ما قالته أنقرة في واقعة إسقاط الطائرة، سوى ما قاله نجم كرة القدم العالمي، ديجول مارادونا، حين أحرز هدفاً بيده في مرمى منتخب انجلترا بكأس العالم، واحتسبه حكم المباراة «هدفاً»، وحين سُئل مارادونا بعدها، كيف أحرز الهدف؟! قال: يد الله هي من أحرزت الهدف!!أنقرة إذن تريد أن تقول لروسيا والعالم، أن يد الناتو هي من أسقطت الطائرة، وأن على من يريدون الانتقام لإسقاطها أن يحارب الناتو كله، ولهذا سارع أردوغان إلى طلب اجتماع طارىء للناتو، ثم اطلع مجلس الأمن الدولي على الواقعة، بهدف تصعيد المواجهة مع موسكو إلى مستوى أعلى، ومضاعفة أثمان أي محاولة روسية للانتقام من تركيا.التعقيدات المصاحبة لحادثة إسقاط القاذفة الروسية فوق الأراضي السورية، التي يسيطر عليها تركمان انخرط بعضهم -طبقا للرواية الروسية- ضمن عناصر جبهة النصرة المصنفة بموجب قرار لمجلس الأمن باعتبارها جماعة إرهابية، لا يفوقها سوى تعقيدات المشهد السوري، ودعونا نعترف أن تعبير (المشهد السوري) لم يعد مناسباً لواقع الحال، فما يجري في سوريا، بات مختبراً لما يجري أو سيجري في العالم على اتساعه، وهذا ما أدركه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند فيما كان يجري إخلاءه من ملعب لكرة القدم، طالته يد الإرهاب، بينما كان إرهابيون آخرون يحتجزون نحو ألف وخمسمائة من رواد مسرح كاتابلاند رهائن، فيما عصف آخرون بمطعم فقتلوا بعض رواده.باريس أدركت بعد ليلة كاتابلاند، أن أولوياتها في سوريا يحب أن تتغير، وأن مدافعها هناك يجب أن تُصوَّب في اتجاهٍ واحد، هو «داعش» وأن حربها على داعش يحب أن تطال مَن يدعمونها، ومَن يُمولونها، أو يستفيدون من تمويلها بشراء النفط الرخيص من مناطق يسيطر عليها التنظيم (عشرة دولارات للبرميل)!!أصابع الاتهام أشارت طول الوقت إلى علاقة (ما) بين تركيا وبين داعش، أطولها أصبع فلاديمير بوتين الذي قال في أسطنبول لدى ترؤسه وفد بلاده في قمة مجموعة العشرين قبل أيام من إسقاط طائرته قرب الحدود التركية: إن بين الحاضرين في قمة العشرين، مَن يُموِّل داعش أو يستفيد من تمويلها.فوق مناطق التركمان، على خط الحدود السورية- التركية، حاول أردوغان فيما يبدو، بتر أصبع الاتهام الروسي له بتمويل ودعم داعش، لكنه حين لاذ بحلفائه في الناتو بعد إسقاط الطائرة الروسية، قال الناتو إن الواقعة تخص أنقرة لا الناتو، وقالت بريطانيا أن الهجوم التركي على قاذفة روسية، تصعيد خطير، وهكذا أيضاً قالت ألمانيا، فيما أبقت فرنسا الجريحة على باب التحالف مع موسكو في سوريا مفتوحاً بشرط وحيد، هو أن يكون العدو المشترك هو «داعش فقط».هكذا يبدو المشهد عقب ليلة هلَّل لها بعض المُتفرِّجين العرب على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبارها لحظة ميلاد حرب كونية ثالثة، لكن خلاصة ما جرى في تلك الليلة، قد تُخبرنا بأنه لا يُشبه علاقة العرب بالسياسة الدولية، سوى علاقتهم بكأس العالم لكرة القدم، فهم في الأولى مُتفرِّجون وإن شاركوا، وفي الثانية مُتفرِّجون وإن لعبوا.