نسمات ربيع كاذب
تاريخ النشر: 25 مارس 2016 00:30 KSA
يتأرجح الشرق الأوسط بين غرف العمليات، حيث يجري بناء موازين جديدة للقوة، وبين غرف التسويات، حيث يجري رسم خرائط الحدود ومناطق النفوذ، وفق موازين القوة الجديدة، وبينما تجري في جنيف مفاوضات لتسوية الصراع في سوريا، تستعد جنيف ذاتها لاستضافة مفاوضات أخرى بشأن إنهاء الصراع في اليمن. هل يشهد العام ٢٠١٦ نهاية للصراعات في سوريا واليمن والعراق وليبيا؟!.. هل ثمة فرصة لسلام حقيقي اشتاقت إليه المنطقة، وتتطلع إليه شعوبها؟!.الأمور لا تمضي هكذا ببساطة، فالقوى العظمى التي تدير صراعات الإقليم، لا تتغير سياساتها على نحو جذري، بتغير الرئيس أو الحاكم، كما يحدث عادة في الشرق الأوسط، ودور الإرادات المحلية والإقليمية في الصراعات الدائرة، ليس حاكماً وحده على مآلات تلك الصراعات، ولهذا رأينا الأمور تتبدل، بإشارة من مخرج العرض، مع القرار الروسي المفاجىء، بسحب قوته الرئيسية من مسرح عملياتها بسوريا قبل ساعات من بدء المفاوضات في جنيف. ورأينا ما يبدو وكأنه تفاهمات لاحقة روسية- أمريكية، بشأن سبل إنهاء الصراع في سوريا. قرار بوتين بسحب قوته الرئيسية من سوريا عشية مفاوضات جنيف، بدا وكأنه يهِبُ قبلة الحياة، لجهد دبلوماسي دولي، شغل الإعلام بأكثر مما انشغل بالقضية الرئيسية، ومستوى التجاوب الأمريكي مع المفاجأة الروسية، بدا منسجماً مع أعراض انسحابية، اتسمت بها سياسة إدارة أوباما تجاه الشرق الأوسط بالذات، وأسماها جيفري جولدبرج «مبدأ أوباما». للإنصاف، فإن الخارطة الإقليمية لا يجري رسمها في الإقليم، ولا بمعرفة القوى الفاعلة فيه، ولهذا فإن ما يبدو وكأنه نسمات ربيع الحل في الشرق الأوسط، مع دخول ملفات الصراع في سوريا واليمن إلى غرف التسويات بجنيف، يظل مرهوناً بما قد تشهده مراكز القرار في أوروبا وأمريكا من تغييرات، سوف تتأثر حتماً بموجات إرهاب ضربت عاصمة الاتحاد الأوروبي، وما زالت تهدد بالمزيد من الضربات.خسارة حزب إنجيلا ميركل في الانتخابات المحلية متأثراً، بسياستها تجاه اللاجئين السوريين، تُنذر بتغييرات في مواقع القرار قد تطال السيدة ميركل ذاتها لاحقاً، فيما يبدو أن الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند قد يعاني هو أيضاً من توابع ضربات الاٍرهاب في فرنسا وبلجيكا. وبينما يغلق أوباما ملفاته قبيل مغادرة البيت الأبيض نهاية هذا العام، فإن مخاوف الأمريكيين من انعكاسات الإرهاب في أوربا على أمن أمريكا واقتصادها، قد تحمل إلى البيت الأبيض رئيساً مثل دونالد ترامب، راهن خصومه على أن تطرفه سيزيحه من طريقهم. لا أحد يعرف على وجه اليقين، من سيسبق ماذا؟!.. أي إن كان تغيير الوجوه في مراكز القرار بأوروبا وأمريكا، سيسبق تغيير السياسات في الغرب، أو الخرائط في الشرق، أم العكس، لكن نسائم ربيع التهدئة الذي حمل ملفات الالتهاب في الشرق الأوسط إلى غرف التسويات بجنيف، ربما تمنح شعوب المنطقة بعض الأمل في أن يشهد العام الجاري نهاية للصراعات فيها. لا أظن أن مَن دبّروا لتفجيرات بروكسل كانوا يريدون حثّ الغرب على تسريع الخطى في تسوية ملف الصراع في سوريا، لكن هذا هو ما حدث بالفعل، وسط إدراك متزايد في أوربا تحت وطأة ضربات الاٍرهاب، بأن ثمة علاقة عضوية بين الأزمة السورية بكل تداعياتها، وبين ما يسيل من دماء في شوارع عاصمة الاتحاد الأوروبي. ضربات الإرهاب في بروكسل تعيد ترتيب روزنامة العام، وتضع الحرب ضد داعش، قبل كل الحروب، ما قد يعني الكثير بالنسبة لصراعات الشرق الأوسط الأخرى، التي قد يضغط الأوربيون والأمريكيون من أجل إغلاق ملفاتها بأي ثمن، ووفق أية صيغة. حروب داعش توشك أن تعصف بأقوى حكام أوروبا، بينما يلقي الرئيس الفرنسي أولاند قفاز التحدي بوجه داعش ولسان حاله يقول: يا روح ما بعدك روح، أما في الشرق حيث تهب نسمات ربيع كاذب، فما تزال التحولات في صراعات المنطقة، تترقب التغييرات المُحتملة بمواقع القرار الدولي في أوروبا وأمريكا.. ومازال الشرق يضبط ساعاته على توقيتات الغرب.