رؤية ابن سلمان: السعودية هبة شعبها
تاريخ النشر: 29 أبريل 2016 05:07 KSA
كمصري، كنتُ وما زلتُ أحلم بتحرُّر مصر من استبداد النيل، وأزعم أنني المالك الوحيد لنظرية تقول: إن النيل هو أصل الاستبداد في مصر، وأن مشروعات ترويضه وإدارة موارده والسيطرة على غضبه أو شحّه، مثل القناطر والسدود، والترع والأهوسة، هي في بعض تجلياتها مشروعات لترويض المصريين في ذات الوقت.اقتصاد المنتج الواحد، نيلاً كان أم نفطًا، ينتج عنه بعض التشوُّهات، التي تنال من قدرة البسطاء على الإبداع، وإنتاج البدائل، فهذا المنتج الواحد يُهيمن في الحقيقة على حياة مَن يعتمدون عليه، ولا يعتاشون إلا به.النيل في مصر، والنفط في السعودية، كانا وما زالا شرياني حياة للشعبين على ضفتي البحر الأحمر، لكنهما أنتجا حالة من الاعتماد المفرط عليهما، وصفها الأمير محمد بن سلمان في الحالة السعودية بكل شجاعة بأنها «إدمان النفط».هل تستطيع السعودية التحرر من النفط؟!الرؤية السعودية حتى العام 2030، التي طرحها الأمير الشجاع محمد بن سلمان ولي ولي العهد ووزير الدفاع والمسؤول عن الشؤون الاقتصادية والتنموية، تقول: نعم نستطيع.. ويبقى السؤال: كيف؟.إجابات سمو ولي ولي العهد، أشارت إلى ثلاثة مقومات أو مكوِّنات تتيح للسعودية أن تفعل ذلك بكفاءة أعلى وبمخاطرة أقل. المكونات الثلاثة هي:القوة الاستثمارية السعودية.الموقع الجغرافي للسعودية.العمق العربي والإسلامي.في المكونات الثلاثة للقدرة السعودية، بدا الأمير محمد بن سلمان مستوعبًا ما تتيحه تلك المكونات للمملكة من قدرات، ومدركًا لأهمية استثمار مكونات القوة حتى العام 2030، ومستعدًا للتجاوب مع ما يمكن أن تطرحه مراحل التحول من تحديات، فهو يقول مثلاً: «تقديس أرامكو عند البعض مشكلة كبيرة»، ويرد على ذلك بقوله: «طموحنا سيبتلع مشاكلنا مهما بدت كبيرة».هذه العبارة الأخيرة في ظني هي «فصل الخطاب» في كلام الأمير محمد بن سلمان، فهي تعني أن شيئًا مهما بلغت قوته، لن يعوقنا عن المضي قدمًا في خططنا للتحرر من النفط.بدائل النفط التي طرحها سمو الأمير، كمصدر للدخل في السعودية، تقتضي تغييرات بعضها عميق، في علاقات الوطن بمواطنيه، وفي علاقات المواطنين بأرضهم، وبثرواتهم، ما سوف ينعكس بقوة على كافة ملامح الحياة اليومية للإنسان السعودي.لم أكن في البداية، مستوعبًا للعنوان الذي اختير لمرحلة ما بعد النفط ، وكنت أعتقد أن عبارة «التحول» الوطني، تحوي قدرًا غير قليل من المبالغة، فالتحول أوسع كثيرًا من التطوير، أو الإصلاح، أو التغيير، وهو لا يقف عن حد تنويع مصادر الدخل الوطني، لكنه يقود في التحليل الأخير، إلى إقرار بالتنوع داخل الوطن الواحد سيكون له ما بعده بالتأكيد، فيما يتعلق بتكريس قِيَم المواطنة دون أدنى تمييز مهما كانت أسبابه. والاقتصاد الذي ينفتح على موارد بديلة، يفتح الباب للفكر الذي يرتوي هو أيضًا من مناهل عديدة ومتنوعة، ثم إن الشفافية التي اعتبرها الأمير محمد بن سلمان أهم النتائج المباشرة، لطرح خمسة بالمائة فقط من أسهم شركة أرامكو العملاقة، لن تقف على إطلاع حملة الأسهم على أداء الشركة، لكن هذه الشفافية ذاتها ستطال مناحٍ أخرى في حياة السعوديين على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية، كما ستسهم في تكريس قِيَم المراقبة والمحاسبة.رؤية المستقبل في السعودية كما طرحها الأمير محمد بن سلمان، سوف تسهم أيضًا في ضبط العلاقة بين المواطن وبين الدولة، التي لا يمكنها بعد التحرر من النفط أن تواصل دور الأم الحاضنة، التي تقدم الرفاهية مجانًا لمواطنين بعضهم لا ينتج، ولا يسدد الضرائب، ويتفلت من القوانين والأنظمة، فالبديل الحقيقي للنفط في الحالة السعودية والنيل في الحالة المصرية، هو الإنسان المواطن المؤهل لمواجهة استحقاقات المستقبل.تنجح الرؤية السعودية التي طرحها الأمير محمد بن سلمان عندما تصبح السعودية هبة شعبها، هذا هو التحدي الحقيقي الذي يعني إنجازه أن تحولاً وطنيًا حقيقيًا قد تم بالفعل، فالأوطان هبة شعوبها، وهي تستطيع بهم ابتلاع المشكلات مهما كانت كبيرة.