ماذا بعد تحالف القيصر والإمام؟!..
تاريخ النشر: 19 أغسطس 2016 01:14 KSA
هل تفاجأ أحدكم بانطلاق القاذفات الروسية الإستراتيجية الثقيلة «باك فاير»، من قاعدة «نوجيه» الإيرانية بمقاطعة همدان لدك أهداف في حلب؟!.. أنا تفاجأت، وأظن أن عواصم غربية وعربية كثيرة تفاجأت أيضاً، ليس لأن روسيا أغارت على أهداف في حلب، فهي تفعل ذلك منذ أكثر من عام انطلاقاً من قواعد في سوريا، أو حتى من منصات إطلاق في بحر قزوين، وإنما لأنها المرة الأولى في إيران منذ الحرب العالمية الثانية، وأيضاً لأن هذا التطور، يعكس تحولاً في العلاقة بين موسكو وطهران، ينقلها من مربع الصداقة، الى دائرة التحالف، بما يعكس توافقاً مريباً بين القيصر والإمام، حول أهداف تثير الالتباس في الإقليم كله. يقول الإيرانيون إن ثمة تفاهماً روسياً إيرانياً بشأن سياسة البلدين تجاه سوريا، فكلاهما يريد محاربة الإرهاب، والمحافظة على وحدة سوريا، لكن هذين الهدفين ذاتهما هما ما تعلن الولايات المتحدة والعواصم الغربية والشرقية والعربية تبنيهما، أي أن كل الأطراف الإقليمية والعربية والدولية تتحدث عن محاربة منظمات إرهابية تتمركز فوق أراضٍ سورية، وكذلك عن حماية وحدة سوريا التي تجعلها الصراعات الدائرة هدفاً بعيد المنال. أين الحقيقة إذن وراء التحالف الروسي الإيراني الذي جرى تفعيله قبل ثلاثة أيام فقط، على نحو لم تشهده المنطقة منذ أكثر من سبعين عاماً؟!..طهران تتحدث عن تحالف محدود يتعلق بسوريا، ويتيح لموسكو فقط استخدام قواعد وتسهيلات إيرانية، وليس عن السماح بإقامة قواعد روسية فوق الأراضي الإيرانية، ويشير الإيرانيون الى أن المادة ١٤٦ من الدستور الإيراني تحظر السماح بإقامة قواعد أجنبية فوق التراب الإيراني، لكن مسؤولين إيرانيين يقولون، إن بوسع الإمام على خامنئي وحده، تقدير الظرف السياسي والسماح بإقامة مثل هذه القواعد اذا دعت الضرورات الأمنية الإيرانية إلى ذلك. وبينما يقول الروس إن استخدامهم لقواعد عسكرية إيرانية لا يمثل انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصِّلة، فإن خبراء عسكريين أمريكيين، يمضغون الحسرة، لأن قاعدة «نوجيه» الجوية الإيرانية التي انطلقت منها القاذفات الروسية الثقيلة، قد أقامها أمريكيون عام ١٩٦٠ بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين بقصد تطويق الاتحاد السوفييتي آنذاك( روسيا الآن)، أي أن التحالف الإيراني الروسي لا ينهض فحسب ضد مصالح الولايات المتحدة، وانما هو يفعل ذلك على حساب أمريكيين موَّلوا إقامة القاعدة الجوية وزودها بممر جوي يصل طوله الى ثلاثة كيلومترات بما يلائم متطلبات القاذفات الروسية الثقيلة!غارات روسيا الجوية على حلب انطلاقاً من قاعدة إيرانية، ليست مشهداً عارضاً في الحرب السورية، وإنما هي في تصوري، افتتاحية لمشهد إقليمي جديد تماماً، قد لا تتوقف آثاره عند مسرح العمليات في سوريا، وقد تمتد نقاط الانطلاق فيه لتشمل تركيا أيضاً في مرحلة لاحقة. ما يجري في الإقليم، لا يمهد فحسب لنظام إقليمي جديد، لا حضور للعرب في غرفة خرائطه، وإنما هو أحد تجليات ولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، حجز الروس بالفعل مقعدهم فيه، فيما يكافح آخرون للحصول على موطىء قدم داخله. تداعيات تحالف القيصر والإمام، تنذر بأعوام من عدم الاستقرار الإقليمي، لكنها تشرع أبواباً لتحولات جذرية في خارطة علاقات القوى الإقليمية، سواء فيما بينها وبين بعضها، أو فيما بينها وبين القوى العظمى التي تدير التفاعلات، وتتحكم في نتائج معادلات الإقليم. الشرق الأوسط يتغير، حتى تكاد أن تخطئه عيون سكانه، بقي أن تتغير السياسات فيه على نحو يعكس مستوى التجاوب مع التحديات، سواء بالاشتباك الواعي معها، أو بالتكيف الحصيف مع مقتضيات مواجهتها.