مشاهد أمام باب غرفة الخرائط
تاريخ النشر: 06 أكتوبر 2016 22:59 KSA
لا زلت أصر على تذكير الكافة بأن أغلب ما يجري فوق منطقة الشرق الأوسط من صراعات، هو مجرد مخاض لولادة نظام دولي جديد، لم تخرج خارطته بعد من غرفة الخرائط الكبرى، ولسنا بعد في وارد ادعاء الإحاطة بتفاصيل الخارطة، أو حتى بخطوطها العامة. كل ما يدور برؤوس النخب العربية، في شأن مستقبل الإقليم، هو مجرد تخمينات، فتح أصحابها باب قراءة الطالع، بعدما أغلقوا أبواباً للعلم والفكر، كانت وما تزال وحدها القادرة على رصد المستقبل والتحسب لمفاجآته. نحن الخارطة، ومادتها الأولية، نحن من يجري التخطيط لتمزيقهم وتقزيمهم، نحن من يعيش أخطر الكوابيس، ويتنازل كرهاً أو طوعاً عن أبسط الأحلام. نحن من يظن بَعضُنَا أن مصير الموصل لا يعنيه، وأن مستقبل حلب لا يخصه، وأن مستقبل سرت ومصير مصراته لن يؤثر على فرصه في امتلاك مستقبل، وأنه ، وحده دون سواه، مع الفئة الناجية، ممن أقنعهم صناع الإستراتيجيات في الغرب، أنهم معفيون من الخطر، وأن خطوط حدودهم، لن تنال منها الخرائط الجديدة. نحن من جرى إلهاؤهم بعظمة الربيع العربي، فراحوا يتصارعون لأجل حصة فيها أو منها، فيما راح البعض الآخر يتصارع لأجل الحصول على شهادة الإعفاء من ربيع كاذب لكنه لا يعفي أحداً من استحقاقاته.المشهد الراهن ( أثناء كتابة هذه السطور) في سوريا والعراق، يبدو مفتوحاً على احتمالات شتى، ليس من بينها احتمال واحد بخلاص العرب من شر قد اقترب، فبينما تقترب معركة الموصل، تشتعل معركة حلب، وبينما يراهن بشار الأسد على انشغال الأمريكيين بمعركة دارت محركات مجنزراتها فوق أرض العراق، وبات تأجيلها أعلى كلفة من خوضها، يراهن الأمريكيون على ان استدعاء قواعد الاشتباك القديمة مع السوفييت قد يتيح لهم تأجيل معركة اختار الروس مكانها وزمانها في حلب. دعونا ننصف الحقيقة ونعترف بأننا لسنا طرفاً في الصراعات الدائرة، لكننا بكل أسف وأسى وخجل مادة لها، دعونا نعترف أن الصراعات الدائرة « دولية» لا محلية، ولا إقليمية، وان إرادات الأطراف الدولية هي الحاسمة في تقرير مصير إقليم بات متعيناً عليه أن يسدد فواتير غيابه عن ساحات البحث العلمي، وانسحابه من فصول القراءة ( الحديثة) على مدى قرون طويلة. .. ولكن.. دعونا نرصد أيضاً حال من جاءوا لترتيب أوضاع الإقليم، فيما تضطرب الأوضاع عندهم، فمع ( جاستا) بكل دلالاته، وبكل ما يستدعيه عن مؤشرات اضطراب في مؤسسات القرار الأمريكي، تبدو الولايات المتحدة عاجزة، قبل أسابيع من انتخابات الرئاسة عن اتخاذ قرارات عميقة الأثر على المستوى الإستراتيجي، وتبدو إمارات العجز جلية في سوريا، أكثر منها في أي موضع آخر. دعونا نرصد اضطراباً في أوروبا دخل طوراً جديداً بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، فيما تنحدر بعض دول القارة العجوز الى انتخاب حكومات « شعبوية» تروج لدى مواطنيها، مخاوف عنصرية من المهاجرين واللاجئين، وتتبنى سياسات انسحابية، يضعف معها تأثير أوروبا في الشأن العالمي. دعونا نلحظ، عودة العالم في الربع الاول من المئوية الأولى من الألفية الثالثة، الى البحث عن مستبدٍّ عادل، مهدت المخاوف والهواجس والتطلعات، سبيل وصوله الى السلطة والتمكن منها. قوى جديدة تماماً تتأهل لأدوار أوسع في إدارة الشأن الدولي، وقوى عظمى هيمنت على سياسات العالم في القرنين الفائتين، تتراجع وتنحسر.. العالم يتغير، وحملة الأدوار فيه يتغيرون أيضا ، لكن حظ منطقتنا من التغيير هو فقط أنها المسرح الذي تدور فوقه مشاهد اللعبة الدولية. من يريدون الانتقال من مقاعد من يجري تغييرهم، الى مقاعد من يصنعون التغيير، عليهم أن يستوعبوا حقائق القوة، وأولها « المعرفة» التي ننتجها أو نشارك العالم في إنتاجها، وليس المعرفة التي نقتنيها ولا نحسن حتى استخدام مفرداتها. لا مكان لهذه الأمة فوق الخارطة، دوراً، وتأثيراً، ما لم تمسك شعوبها بمفاتيح المعرفة، وما لم تفك شفرة عصر العلم. امتلاك الحق في المعرفة، هو حجر الأساس في أي مشروع لحماية صميم الوجود العربي..اقرأوا تصحِّوا.