ترامب في حصة ترويض أمريكية

ترامب في حصة ترويض أمريكية
مؤشرات أسواق المال، لا تحب ولا تكره، كل شيء عندها محسوب، ولكل شيء عندها سبب، لا تعرف العاطفة، ولا تحترم سوى الحسابات الدقيقة والأرقام الصارمة، ولهذا فإن أكثر ردود الأفعال صدقاً ومباشرة، هو ما يخرج عن أسواق الأسهم والعملات والمعادن، عقب حوادث كبرى. بالأمس، انهارت أكبر أسواق المال حول العالم، عقب مفاجأة الإعلان عن فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، إلا بورصة موسكو، كانت الوحيدة التي حققت أرباحاً تستحق الذكر.تراجع الثقة، أو انعدام اليقين، أو غياب الاستقرار، هو أكثر ما يهز أعتى الاقتصادات، وهذا بالضبط حال العالم لحظة الإعلان المفاجىء عن فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة. فالرجل كان صريحاً طوال حملته الانتخابية، بأكثر مما تحتمل السياسة من صراحة، لم يتجمل، ولم يتحدث بلغة رجال الدولة الذين اعتدنا أن نراهم فوق منصات الخطابة بعواصم الغرب الكبرى، وإنما تحدث بلغة من انتخبوه، دعا إلى انعزالية جديدة، وتعهد بإقامة أسوار بين أمريكا والمكسيك، ودعا من يريدون حماية أمريكا لهم في الخارج، إلى أن يُسدِّدوا فواتير الحماية ويتحملوا كلفة الحروب.على مدى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، اعتادت أوروبا أن تنام ملء جفونها، على وقع هدهدات القبضة الأمريكية، دون مقابل مباشر تقريباً، أو بتكلفة سياسية ومالية أقل، واستمر التزام واشنطن بأمن حلفائها في أوروبا والشرق الأقصى والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، لكن خطاب الرئيس الأمريكي المنتخب، لا يتحدث عن التزامات أمريكية غيرمشروطة بالدفاع عن أمن حلفائها حول العالم، وإنما عن حماية محدودة، مشروطة، مدفوعة الرسوم، عالية التكلفة. مظلة الحماية الأمريكية، سمحت لأوروبا على مدى أكثرمن سبعين عاماً، بالتفرغ لتحقيق رفاهية شعوبها، لكن فوز ترامب، بكل توابعه، ومعظمها مجهول لا يمكن التنبؤ به، يضع حلفاء واشنطن الأوروبيين بصفة خاصة في مهب الريح، بينما تنشط روسيا، في لملمة بعض ما تساقط منها، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. لا أظن أن عاصمة أوروبية كبرى واحدة، استطاعت أن تنام ملء جفونها عقب الإعلان عن فوز ترامب. ولا أظن أن حلفاء واشنطن التقليديين في الشرق الأقصى كاليابان وكوريا الجنوبية، قد حظوا بنوم هادىء ليلة فوز ترامب.بعد انفراد أمريكي بزعامة العالم على مدى أكثر من ربع قرن، كان بوسع العالم أن يتكهن بسلوك واشنطن في الأزمات، لكن فوز ترامب القادم من خارج المؤسسة السياسية الأمريكية، لا يدع فرصة حقيقية لتوقع سياسات واشنطن في الأزمات، لكنني أظن، أن المؤسسة الأمريكية العريقة، والدولة الأمريكية العميقة، سوف تتمكنان في النهاية، من احتواء ترامب وربما ابتلاعه بالكامل، كما فعلت مطلع الثمانينيّات مع الرئيس الأسبق ريجان، الذي لم يكن يعرف أين يقع لبنان حين أخبروه بتفجير مقر للمارينز قرب بيروت.أمريكا التي ابتلعت العالم بالسينما وبالفيس بوك وتويتر، قادرة حتماً على ابتلاع ترامب، وترويضه، وتدجينه لحساب رؤية مؤسساتها الراسخة العريقة. ما رأيناه من مظاهرات احتجاج في كاليفورنيا وغيرها على فوز ترامب، هو الحصة الأولى في الدرس الأول من دروس ترويض الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، حتى قبل أن يدخل المكتب البيضاوي.

أخبار ذات صلة

حديث عن «التكريم»
“خزان الغاز المركزي».. حل أم مشكلة؟!
التحول القيادي.. من التوطين إلى صناعة القرار
الأمن والأمان.. عنوان نجاح حج 1447هـ
;
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
قراءة الاتجاهات.. وصناعة القرار
أنديتنا الرياضية.. والتجربة المصرية
الأمن الإعلامي
;
الأبجدية في #نواصي_الإيجابية
شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
;
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!