من العولمة إلى الأقلمة إلى الشرذمة
تاريخ النشر: 18 نوفمبر 2016 00:47 KSA
في السياسة كما في الحب، كما في الحياة، بعض الأحلام يقتلها فائض القدرة على تحقيقها، فيما تموت أغلب الأحلام في انتظار مَن أخفقوا في الوصول بها إلى شواطئ الإنجاز. حال العالم مع العولمة، مقلوب، فأغلب الابتكارات التقنية التي عرفتها الإنسانية عبر تاريخها، بدأت بحوارٍ إنساني قادته العقول ورصفت طريقه، ورسمت خارطته، ثم أنتج الحوار أفكارًا، ثم قررت الأفكار أن تمتلك أدوات تحقيقها، فكان ميلاد التقنيات التي تتحقق بها الأفكار.أما العولمة، فقد جاءت ولادتها كفكرة نتيجة تطور هائل في تقنيات الاتصال، سمح لاحقًا بشراكة في الأفكار، وبتجانس في الرؤى بين بني البشر مهما تباعدت المسافات.كانت القاعدة أن الأفكار تلد تقنيات تتحقق بها، أما أن تلد التقنيات أفكارًا تلائمها فهذا بالضبط ما فعلته العولمة.الأمم الأكثر تطورًا علميًا وتقنيًا وصناعيًا، هي من احتفت بأفكار العولمة، التي دخلت طورًا جديدًا بعد انهيار جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفييتي، وانفراط عقد حلف وارسو، وفيما كانت حدود الناتو تتمدد لتغطي شرق أوروبا وجمهوريات البلطيق، لتطويق روسيا، كانت شعوب شرق أوروبا الظامئة إلى حريات الغرب، ومنتجات الغرب، وصرعات الموضة في الغرب، تتدفَّق على دول الجوار في غرب أوروبا، مستفيدة بما أتاحه لها الانخراط في الاتحاد الأوروبي، من حريات التنقُّل والتملُّك والعمل.اليوم، يعضّ الغرب بنان الندم، ويترحَّم على زمن الحرب الباردة الجميل، وعلى أسوار هدمها شباب كان يحلم بالحرية، ثم عاد هو نفسه في زمن العولمة يحلم بالوظيفة التي اختطفتها أيدٍ عاملة رخيصة جاءت من شرق أوروبا ممتطية جياد العولمة.الحرب في سوريا وليبيا والعراق واليمن، فاقمت من صعوبات الحياة في دول تعولمت داخل الاتحاد الأوروبي، بسبب موجات النزوح من الشرق الأوسط، الإقليم الأكثر اضطرابًا في العالم اليوم.أزمات الإقليم، وموجات النزوح، وانعكاساتها المباشرة، وغير المباشرة على الرفاه الاجتماعي في دول الاتحاد الأوروبي، تضع أوروبا الآن في مواجهة خيار صعب، بين مبادئ حقوقية كالحرية والإخاء والمساواة، ترسَّخت منذ الثورة الفرنسية، وبين حقائق أفرزتها، موجات نزوح تسربل بعضها بالعولمة، وتسببت حروب الشرق الأوسط في بعضها الآخر.صعود اليمين في أوروبا وأمريكا، وعودة الميل إلى السياسات الانعزالية، في دول أنتجت التقنيات التي أفرزت فكر العولمة، هو مؤشر خطير على عالم يخطو بسرعة إلى الوراء، على نحو لم تعرفه الإنسانية في تاريخها المكتوب كله.قد لا يرى البعض صلة ما بين الانفلات الحاصل في منطقة الشرق الأوسط، وبين انحسار العولمة، تحت ضربات متعولمة، لكن المزاج القيصري الغالب على سياسات روسيا تجاه الإقليم، وكذلك الطموح الكسروي الفارسي، وأحلام العثمانيين الجدد في تركيا، كلها، ما كان لها أن تنطلق من عقالها، لولا حال الانكفاء الفلسفي على الذات التي يجتازها الغرب القوي، والتي قادت بدورها إلى ما نراه من نكوصٍ أو ارتداد عن تبنِّي قيم عولمة أنتجتها تقنيات غربية بالأساس.التحلل الجزئي للاتحاد الأوروبي، بخروج إنجلترا، ومؤشرات تفكيك (نافتا) التي تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بعد فوز ترامب بالرئاسة الأمريكية، كلها تشير إلى تفكيك صيغ أنتجتها العولمة، لكن عملية التفكيك الطوعي في الغرب، يقابلها في الشرق، عملية مغايرة، يجري فيها التفكيك والتركيب قسرًا لصالح قوى إقليمية تطمح إلى استعادة خرائط قديمة، بالت فوقها عقود من الحروب والصراعات.انتبهوا.. فسيارة النظام الدولي تعود مسرعة إلى الخلف من العولمة إلى الأقلمة إلى الشرذمة.