عن التشرنق الطائفي والتخندق الديني والتشرذم اللاإرادي

عن التشرنق الطائفي والتخندق الديني والتشرذم اللاإرادي
الماضي في غرفة الملابس، يتجمل، يتحور، يتنكر، لكنه يعود كما بدأ. روسيا القيصرية تعود بأحلامها، وبهواجسها، وبفلسفتها الخاصة في «المزيد من التوسع، من أجل المزيد من الأمن» إيران الفارسية تخرج هي أيضاً من غرفة الملابس، وقد تنكرت بعمامة ولحية، وخطاب ديني/ طائفي، مشحونة بذكريات الفرس الأكاسرة، وبأطماعهم، وحتى بأوهامهم. تركيا العثمانية، هي أيضاً في غرفة الملابس، بعدما خلعت العمامة وحلقت اللحية، وبدلت حتى حروف اللغة، لكن حنيناً الى ماضي الخلافة العثمانية التليد، يجرفها فوق خارطة جديدة لشرق أوسط جديد. عملية استدعاء الماضي لصناعة المستقبل، تجري على قدم وساق، فيما يجري تفكيك صيغ أنتجتها لحظة خاطفة في التاريخ الإنساني، حملت اسم « العولمة». يقول هنري كيسنجر آخر عمالقة السياسة الباقين على قيد الحياة، في كتابه ( النظام الدولي)، إن روسيا اعتادت عبر تاريخها الطويل، على التمدد بـ « التدحرج» فوق الجوار، وأنها كانت ترى صميم أمنها في التوسع الأرضي، ما قاد في النهاية الى تشكيل أكبر دول العالم مساحة على الإطلاق. غير أن روسيا لا تتدحرج وحدها فيما يبدو، إيران أيضاً تتدحرج، باتجاه العراق وسوريا ولبنان، تحدوها تطلعات لبناء حضور دائم شرقي المتوسط، فيما تتدحرج تركيا الى جوار جغرافي في الموصل وفي حلب مستدعية خرائط عثمانية قديمة، مزقتها اتفاقيات سايكس بيكو قبل مائة عام. « التدحرج الاستراتيجي» له شروطه، فالكتلة المتدحرجة يجب أن تكون ثقيلة بالدرجة التي تكفي لدهس الجوار أو طحنه، أما الجوار الذي يستهدفه متدحرجون فيُستحسن أن يكون منحدراً، بلا عوائق أو موانع طبيعية أو بشرية. فعلت ذلك روسيا طول الوقت، وفعلته بلاد فارس ومازالت تفعله من الأكاسرة الى الصفويين الى الملالي، وفعلته الدولة العثمانية قبل نحو ستمائة عام، وهي تتطلع اليوم الى تكراره. كل القوى المتدحرجة، لديها دواعٍ استراتيجية وأمنية عليا لمواصلة التدحرج فوق الجوار، وكلها أيضاً لديها ما تستدعيه من السماء لتنتصر به على الأرض، روسيا تستدعي أرثوذكسيتها، وتلتحف بها، وإيران تستدعي شيعيتها وتلتحف بها، وتركيا تستدعي نظرية الخلافة السنية. بدون فضاء أو فراغ إقليمي خفيف الانحدار، فإن عملية « التدحرج الاستراتيجي» قد تصبح صعبة أو مكلفة، أو محفوفة بمخاطر كبيرة تهدد القوى الثقيلة المتدحرجة. مهمة ما تبقى من النظام الإقليمي العربي، أن تعوق عملية التدحرج الاستراتيجي فوق المنطقة وعلى حساب صميم وجود دولها. لسنا في حاجة الى استدعاء التاريخ، ولا الى استحضار الدين والطائفة، من أجل صد تلك الموجة العاتية، لكننا فقط بحاجة الى استدعاء أسباب الوجود وأسرار الكينونة كعرب، واستحضار أسباب القوة ليس من أجل الغزو في زمان الاستباحة، ولكن من أجل المنعة والحصانة والتأمين. في العلاقات الدولية، التشرنق الطائفي ليس حلاً، وإنما هو وصفة خبيثة لتمزيق وحدة الأوطان، والتخندق الديني ليس حلاً أيضاً وإنما هو باب لصراعات تأكل الأخضر واليابس، وكلاهما ( الطائفي والديني) يقودان في النهاية الى ما يمكن وصفه بـ « التشرذم اللاإرادي «. استكمال عناصر بناء القوة الذاتية، هو الملاذ من قوى عالمية طامحة، ومن قوى إقليمية متدحرجة، وأول مكونات البناء هو صيانة الوحدة الوطنية بتكريس قيم المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات.فالتشرنق الطائفي، والتخندق الديني، يقودان معاً الى « التشرذم اللاإرادي» الذي يكرس الخروج من التاريخ ومن الجغرافيا معاً. اتحدوا.. وحدتكم ليست مجرد اصطفاف احتفالي، وإنما ضرورة للوجود ، وقدس أقداس الكينونة الوطنية.

أخبار ذات صلة

حديث عن «التكريم»
“خزان الغاز المركزي».. حل أم مشكلة؟!
التحول القيادي.. من التوطين إلى صناعة القرار
الأمن والأمان.. عنوان نجاح حج 1447هـ
;
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
قراءة الاتجاهات.. وصناعة القرار
أنديتنا الرياضية.. والتجربة المصرية
الأمن الإعلامي
;
الأبجدية في #نواصي_الإيجابية
شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
;
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!