ستة أسابيع حاسمة

اعتاد جيلي أن يشاهد حكم كرة القدم في زيه الأسود الوقور، هكذا كانت صورة الحكم في العالم كله، شورت أسود وقميص أسود ذو ياقة بيضاء، لكن الأمريكيين الذين لا يعتبرون كرة القدم هي اللعبة الشعبية رقم واحد، استطاعوا وضع بصمتهم عليها ، رغم حداثة عهدهم باللعبة، التي اهتم هنري كيسنجر بنشرها مطلع السبعينيات، حين كان مستشاراً للأمن القومي للرئيس الأسبق نيكسون فقد تغير زي حكام كرة القدم لأول مرة في تاريخ اللعبة، عندما استضافت الولايات المتحدة بطولة كأس العالم لكرة القدم عام ١٩٩٤. فمنذ ذلك الحين أصبح بوسع طاقم التحكيم أن يرتدي ثياباً ملونة، حمراء أو صفراء أو خضراء.. لا يهم، فالمهم أن يكون لون زي طاقم التحكيم مختلفاً عن لباس الفريقين المتنافسين. أمريكا التي لم تحرز بطولة عالمية في كرة القدم، التي لا يعتبرها الأمريكيون لعبتهم الشعبية المفضلة، استطاعت أن تغير صورة اللعبة، بعد أول استضافة للبطولة على أرضها، هل تعرفون لماذا؟!.. لأن أمريكا ببساطة هي الدولة الأوسع تأثيراً في العالم، إن تناولت الهامبورجر تناوله العالم بعدها، وإن تجرعت البيبسي والكوكاكولا تجرعهما العالم خلفها، وإن لبست الجينز ارتداه العالم بعدها، وإن رقصت على موسيقى الجاز رقص العالم خلفها. أمريكا الأوسع تأثيراً في العالم، صوت شعبها قبل أسابيع لصالح مرشح رئاسي يقف سياسياً الى يمين الحزب الجمهوري( يمين اليمين)، ( لاحظوا معي أن أوروبا أيضاً تتجه نحو يمين اليمين). دونالد ترامب، ليس محسوباً فحسب على اليمين، لكنه أيضاً، قادم من خارج المؤسسة السياسية الأمريكية، أي أنه متحرر بدرجة ما من التزامات تلك المؤسسة، ومن مناهج التفكير التقليدية عندها، ومن أدوات تنفيذ السياسات كما اعتادتها تلك المؤسسة في علاقاتها بعالم متشابك تقوده أمريكا، شاءت أم أبت، وينقاد لها شاء أم أبى. باقٍ من الزمن تسعة وأربعون يوماً، تنتقل بعدها مهام الرئاسة الأمريكية للرئيس الجديد دونالد ترامب، أيام تبدو معدودة، لكنها ليست ككل الأيام، فالعالم يتسابق خلال الأسابيع الستة المتبقية، قبل دخول ترامب الى البيت الأبيض، لإنتاج واقع جديد، يسعى كثيرون لفرضه على دونالد ترامب. أكثر ما يعنينا في هذا المشهد هو بالطبع ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، حيث باتت سوريا هي غرفة عمليات الإقليم. تصريحات ترامب، وتلميحات فريق مساعديه، بشأن سوريا قد لا تعكس بنظر أطراف الأزمة في الإقليم ، رؤية واقعية لدولة عظمى، لكنها تبدو ملهمة في نفس الوقت لسائر الأطراف، بما يتعين أن يفعله كل منهم خلال الأسابيع الستة المقبلة « فترة التربص». الروس والايرانيون، والأتراك والاسرائيليون، يسعون الى إنتاج وقائع جديدة على الأرض السورية قبل انتهاء «فترة التربص» في ٢٠ يناير المقبل، حيث الرئيس الأمريكي الحالي « بطة عرجاء» كما يصفه الأمريكيون، وحيث الرئيس القادم لم يتسلم مهام الرئاسة بعد. فراغ القيادة، بسبب حالة انكفاء أمريكية على الذات يفتح الباب لمختلف اللاعبين في الإقليم، وينذر بمستويات غير مسبوقة من العنف، والتصعيد العسكري، بهدف إنتاج واقع جديد، على مسرح إقليمي تراجع فيه تأثير عرب الإقليم بدرجة مخيفة. غياب العرب عما يجري في اللحظات الحاسمة الراهنة، أغرى طهران بالتحدث لأول مرة عن حاجتها الى قواعد بحرية في اليمن وسوريا، وهو أمر ينبغي أخذه على محمل الجد، وتبني السياسات والإجراءات الكفيلة بمنع حدوثه بأي ثمن. ترامب لن يعارض خطط طهران للتمدد العسكري في الإقليم، الا بمقدار ما تهدد تلك الخطط أمن إسرائيل، وروسيا لن تعارض تلك الخطط، طالما لا تمس نصيبها من حصص في الإقليم، أما اوروبا التي تخشى أن يتركها ترامب في العراء دون غطاء أمني أمريكي اعتادت عليه على مدى أكثر من سبعين عاماً، فليس لديها لا القدرة ولا الرغبة، في التصدي لخطط طهران. البديل يجب أن يكون إقليمياً، والتصور يجب أن يكون عربياً بالأساس، والحسابات ينبغي أن تكون استراتيجية، لا مذهبية، ولا عرقية ولا طائفية. ما يجري الآن بالمنطقة، حاسم، وحاكم. فأمريكا تؤثر بغيابها، كما تؤثر بحضورها وربما أكثر. لا تستعجلوا التغيير في أمريكا، استعجلوا التغيير الاستباقي عندكم، فالرئيس القادم سيتعامل مع وقائع جديدة، أنتجتها أطراف قادرة على إحداث التغيير.

أخبار ذات صلة

حديث عن «التكريم»
“خزان الغاز المركزي».. حل أم مشكلة؟!
التحول القيادي.. من التوطين إلى صناعة القرار
الأمن والأمان.. عنوان نجاح حج 1447هـ
;
فلسفة الإخلاء: المساحات البيضاء داخل الوعي كخيار إنساني
قراءة الاتجاهات.. وصناعة القرار
أنديتنا الرياضية.. والتجربة المصرية
الأمن الإعلامي
;
الأبجدية في #نواصي_الإيجابية
شراء المشاهدات
يتغيَّرون.. ونكتفي نحن بالطلاء!
سيدة «نساء» جدة
;
حين نرى الأشياء بعين مختلفة
ما بين الأمراض المزمنة والكلام المسموم رواية أخرى
شكرًا
حفل تخرج الروضة!!